2011/06/03

تعاونوا ولا تتحاملوا

لا أحد يقلل من صعوبة الأوضاع الراهنة في بلادنا وحساسياتها هذه الأيام نظرا لوجود طاغية حقير بيننا مازال يمتلك آلة الفتك والدمار، ويمتلك فوق ذلك الإصرار على إستخدامها غير عابئ بمعاناة هذا الشعب الذي يحكمه ويتحمّل وزر معاناته، وغير مهتم بآلام ومعاناة أفراده؛ ذلك لأن هذا الطاغية لم يكن في أي يوم من الأيام يحفل بمشاكل الليبيين أو يحسّ بمعاناتهم منذ أن إستولى على الحكم في بلادنا لأكثر من أربعة عقود من الزمان.
مشكلتنا مع هذا الطاغية أصبحت مزمنة، ولم يعد أمامنا كليبيين وليبيات من خيار سوى الإستمرار في الإنتفاضة حتى إنهاء نظام حكم الطاغية القذافي مهما كلفنا ذلك من ثمن؛ وعلينا التنبّه دائما على أن للحرية ثمن وعلينا تحمّله مهما كان كبيرا إذا كنا بالفعل نسعى صادقين إلى تحرير أنفسنا وتحرير إرادتنا من هذا الطاغية ومن نظام حكمه البدائي المتخلّف.
قرأت ما كتبه السيد م.أ.عبد الكريم  تحت عنوان "المجلس الانتقالي ومأساة الليبيين المشردين في تونس" ومع إحترامي لوجهة نظره، وتقديري لحرصه على إخوانه الذين يعانون في غرب البلاد؛ إلا أنني وددت لو أن السيد عبد الكريم إبتعد عن اللمز والهمز والكتابة عن "الطائرات الفاخرة" و "الترفيه" من قبل أعضاء المجلس الإنتقالي وركّز على طرح أراء وأفكار عملية لكيفية مساعدة أهلنا العالقين على الحدود التونسية. أنا على يقين بأن هناك الكثير مما يستطيع الليبيون والليبيات المقيمين في الخارج عمله من أجل إغاثة إخوانهم بالمال والدواء، وكذلك الدعم المعنوي إلى أن يتمكن هؤلاء من العودة إلى ديارهم منتصرين بإذن الله.
إن الدعوة لنقل هؤلاء إلى المناطق الشرقية المحررة تحت رعاية المجلس الإنتقالي قد تبدو مغرية، وقد يراها البعض عملية؛ لكننا يجب أن نكون على بيّنة من الأمور التالية قبل التفكير في مثل ذلك الإجراء:
1- رغبة هؤلاء المهجّرين أنفسهم.
2- أهمية وجودهم في تلك المناطق كعامل ضغط؛ وهم بذلك يعتبرون مناظلين مثلهم مثل أولئك الذين يقاتلون في الميدان لأنهم بكل صدق يفرضون بوجودهم واقعا نظاليا لايجب التقليل من شأنه.
3- الأهمية الإستراتيجية لتواجد هؤلاء في المناطق الغربية بما يعني ذلك من الحفاظ على وحدة الوطن، وتجانس أبناء الشعب الليبي وتلاحمهم عند الشدائد؛ وهذا بدوره يسجّل موقفا إنسانيا نبيلا سوف تتذكره أجيالنا المستقبلية من بعدنا، وقد يكون مثالا يحتذى به عبر الأجيال.
4- التأثير النفسي لوجودهم هناك على الطاغية القذافي وعلى أتباعه الذين يقاتلون بالنيابة عنه؛ حيث أن الطاغية يحاول بكل ما أؤتي من قوة العمل على تقسيم البلاد ( غربي وشرقي) من أجل البقاء في الحكم. إن وجود رافضين لنظامه في كل أنحاء ليبيا يعكس مدى كراهية الشعب الليبي بكل طوائفه وآماكن تواجده لنظام حكم الطاغية القذافي المفروض على الناس بقوة الحديد والنار... وهذه في حد ذاتها تعتبر رسالة قوية للمترددين من دول وقادة العالم الذين مازالوا يشككون في تمثيل المجلس الإنتقالي لكل الليبيين مما أخّر عملية الإعتراف بهذا المجلس.
5- قد تكون معاناة هؤلاء العالقين على الحدود التونسية من إخواننا الليبيين والليبيات وإحتياجاتهم مدعاة لتدخّل أممي في تلك المنطقة تحت بند حماية المدنيين؛ وذلك بالطبع ما يحاول الطاغية القذافي تجنبه خوفا على بقاء نظام حكمه... وقد نتذكّر ردة فعل الطاغية القذافي القوية لفكرة فتح ممرات آمنة تشرف عليها الأمم المتحده في مدينة مصراته من أجل حماية المدنين كما هو موثّق في قرار مجلس الأمن رقم 1973.
   
أنا لا أريد أن أنصّب من نفسي مدافعا عن أعضاء المجلس الإنتقالي، ولا عن طريقة أدائهم؛ لكنني من باب الإنصاف وتقديرا مني لجهود الآخرين فإنني أدعوا كل الليبيين أن يشكروا أعضاء المجلس الإنتقالي على مجهوداتهم الجبارة من أجل الإنتقال بالسلطة من وضع الفوضى وغياب القانون (اللادولة) إلى وضع يسوده النظام، وينتصر فيه القانون.. بل ويتسيّد القانون على الجميع ( الدولة) ومثل هذا العمل علينا الإعتراف بأنه ليس يسيرا وفيه الكثير من التحديات، وقد ينتهي إلى الفشل وعلينا كليبيين أن نكون منتبهين إلى كل الإحتمالات حتى نتفاداها؛ ولن يحدث ذلك بالتمنّي أو بصبّ اللوم على الآخرين لأننا بكل بساطة... "نحن" كل الآخرين في بلادنا.
وددت فقط بأن أكون منصفا لهؤلاء الجنود الذين يشتغلون في صمت متحدّين الصعاب بما يعني ذلك من مخاطر على سمعتهم من ناحية، وعلى حياتهم من ناحية أخرى. نعم إن أعضاء المجلس الإنتقالي هم في وضع أكثر صعوبة، وأكثر حساسية مما يمكننا تحسّبه كمتفرجين عن بعد، وعلينا في هذه الفترة أن نتعاضد مع بعض، وأن نكون واقعيين، وكذلك علينا أن نتذكّر في هذه الظروف العصيبة بأن الكلمة الطيبة لها تأثيرها الإيجابي من أجل رفع الهمم وشد الأزر؛ كما أن تقدير جهود الآخرين، والإعتراف بأفضالهم تعتبر من شيم الكرماء فلما لانكون كرماء في الإعتراف بأفضال الآخرين.
نعم... إن الجزاء يعتبر أكثر إيجابية من العقاب، وتقدير العمل الجيَد يعتبر أكثر عطاء من التركيز على الأخطاء؛ فنحن بشرا نصيب ونخطئ وجل من لايخطئ.
من وجهة نظري... علينا في الظروف الراهنة أن نركّز كل جهودنا على التخلّص من هذا الطاغية، وتأمين وحدة بلادنا وسلامة أهلنا؛ فنحن الآن نمر بمرحلة إنتقالية صعبة يتوجّب علينا خلالها التعاون وبذل كل جهودنا من أجل إنجاحها... ثم بعد ذلك نبدأ في تصحيح مسارها، وتحديد إتجاهاتها من خلال مساهماتنا الإيجابية، وإنتقاداتنا البناءة مع الإبتعاد بقدر الإمكان عن نهج التجريح والنقد الهدّام لأن ذلك لايخدم إلا غيرنا من لايريد الخير لنا كبلد وكشعب.
أما بالنسبة لأولئك الذين مازالوا إلى حد الآن يقفون على الحياد، أو أنهم لم ينتفضوا علانية بعد من أمثال سكان الجميل، العسة، رأس إجدير، رقدالين، العجيلات، صبراته، صرمان، غريان، غدامس، سبها، ترهونة، بني وليد، زليطن، وبقية المناطق التي حافظت على هدوئها فأقول لناقديهم جميعا.... يا من لاتجيدون إلا البحث عن مناقب الآخرين .... لاتلوموا هؤلاء، ولا تنعتوهم بالخنوع أو الجبن؛ بل عليكم الشد على أيديهم، والبحث معهم عن كل ما يمكنه الرفع من معنوياتهم، والحفاظ على تماسكهم إلى أن تأتي اللحظة المناسبة لهؤلاء كي يلتحقوا بالركب... ركب المنتفضين على نظام الطاغية القذافي.
بالنسبة لسكان هذه المناطق، وغيرهم ممن لم يثوروا بعد في وجه الظلم والطغيان ... عليكم الثقة بأنفسكم، ولاتسمحوا للشعور بالدونية بأن يتسرّب إليكم فأنتم أدرى بظروفكم، وأنتم أقدر من غيركم على إتخاذ المواقف اللازمة حسب مقتضيات اللحظة. أنا لايوجد لدي أدنى شك بأن جميع أبناء وبنات الشعب الليبي هم يكرهون نظام حكم الطاغية القذافي، ويتمنّون التخلص منه اليوم قبل غد؛ ولكن علينا أن نتفهم بأن لكل منطقة ظروفها وحساباتها وعلى البقية أن تحترم ذلك، وأن لاتكيل السب والشتم عليهم...... فمن منكم يريد أن يقاوم نظام حكم القذافي المتهالك فإن ميادين النظال مفتوحة للجميع، ووسائل النظال متاحة للجميع، وعلى كلّ أن يقوم بدوره حسب مقدرته؛ وتذكّروا أن إشعال شمعة خير من لعن الظلام كما قال الصينيون من قبل.
بالنسبة لمدينة طرابلس.. علينا جميعا كليبيين أن نحترم خصوصية هذه المدينة، وأن نحس بمقدار معاناة ساكنيها ذلك لأن نظام الطاغية القذافي يركّز كل جهوده للحفاظ على هذه المدينة تحت سلطانه وبأي ثمن. نظام الطاغية القذافي الوضيع سوف لن يتردد لحظة عن تدمير هذه المدينة وقتل سكانها لو أنه أحسّ بالخوف منهم، أو إستشعر عزمهم على الإنتفاض ضده أو الإنقضاض عليه؛ ولعلنا نتذكّر ردة فعل القذافي العنيفة في الأيام الأولى للإنتفاضة حين خرجت طرابلس عن بكرة أبيها وقال سكانها للطاغية القذافي بكل قوة "إرحل". قتلت قوات الطاغية القذافي أكثر من 600 من شباب طرابلس وضواحيها في ليلة واحدة بغرض إسكاتهم وفرض الأمر الواقع عليهم بقوة الحديد والنار. لو أن شباب طرابلس قاوموا حينها لكان الطاغية قتل منهم الآلاف، ولكان دمّر كل شئ في طرابلس.... على المتفرجين عن بعد أن يصمتوا، وأن يحترموا مشاعر الآخرين، وعلى من بيده أن ينظمّ للثوّار فالطريق مفتوحة للجميع، وعلى كل أن يبرهن على شجاعته بدل تلويك الكلام الذي لايخدم إلا الطاغية وأعوانه.
على سكان مدينة طرابلس وضواحيها أن يقرروا حسب معطياتهم ووفق حساباتهم لحظة خروجهم على نظام الطاغية، وكيفية ذلك؛  وعلى من يسكن خارج طرابلس وضواحيها أن يحترم قرارهم، وأن يقف معهم إن إستطاع. نحن هنا نتعامل مع قضية تعتبر من أكثر القضايا حساسية في بلادنا، ومع معادلة صعبة علينا عدم الإستهانة بحيثياتها ومن المؤكّد بأن أهل طرابلس هم أحرص الناس على كرامتهم وحريتهم، كما أنهم لاتعوزهم الحكمة أو نضج التفكير فهم سوف يتخذون قرارهم حين تكون حساباتهم في صالحهم؛ وسوف لن يقدم أهل طرابلس على الإنتحار من أجل إسعاد الآخرين، أو نيل رضاهم.
  نحن جميعا نعرف بأن الطاغية القذافي وأتباعه يعانون الآن من تبعات إندحار مقاتليهم في الميدان، وهم يقطفون ثمار هزائمهم النكراء، وإنكساراتهم المركّبة كل يوم؛ وسوف يتحوّل نظام الطاغية القذافي إلى كيان هزيل لايقدر على فعل أي شئ من أجل البقاء في الحكم....  وحينها سوف تخرج جميع مدن بلادنا لتعلن إلتحامها بمن سبقوها من أجل التخلّص من بقايا هذا النظام البغيض؛ وحينها فقط سوف يجتمع الليبيون بإذن الله على وحدة بلادهم، ويتمسّكون بمجلسهم الإنتقالي الذي سوف يقود ـ بدعمهم ومباركتهم ـ  المرحلة الإنتقالية إلى تأسيس كيان ديموقراطي يرتفع إلى مستوى تطلّعات كل أبناء وبنات الشعب الليبي وذلك سوف يتأتى فقط بتعاوننا نحن اهل هذا البلد ( مواطنين وقادة) من أجل بلوغ الأفضل. على كل الليبيين أن يعتبروا أن كل تحرّك هو من أجل ليبيا، وسوف لن يكون هناك أفضلية أو تمايز من أحد على الآخر ولو إحتسبنا زمن وقوة هذا التحرّك.. ولا أفضلية لمن تحرّك أولا على من تحرك لاحقا؛ فلكل منطقة خصوصياتها وحساباتها التي يقدّرها ساكنوها وأصحاب الرأي فيها.
علينا أيها الإخوة والأخوات أن ننظر إلى الأمام، وأن نلتمس إيجابياتنا، وأن نثق في أنفسنا، وأن نثق في بعضنا، وأن نتخلّص من عوامل الشك ونظرية الغش والإحتيال لأن إنتفاضتنا كانت قد قامت من أجل القضاء على مثل هذه الظواهر ولا أظن مطلقا بأن من يثور على الظلم من الممكن أن يمارس الظلم مهما كانت الدوافع، ومهما كانت المبررات... فالذي ينتصر للحق لايمكنه أبدا أن يكذب وتلك هي لغة المنطق..... تلك هي طبيعة الأشياء لمن إبتعد كثيرا عن فهمها أو تذكّر أساسيّاتها.

ليست هناك تعليقات: