2026/02/15

ترامب يقامر... لكنّ ذلك يعدّ نوعاً من التآمر

  حينما تغيب الكرامة لن يبقى لنا غير التحسّر والتأسّف والندامة. هل بوسعنا أن نستفيق من سباتنا، وأن نبدأ في بناء أنفسنا؟
(مــن مــقــالات فــبــرايــــر لــلــعــام الــمــاضــي؛ رأيــــتــهــا مــازالــــت صــالــــحــة فــقــــمــت بــإعــــادة نــــشــرهــــا)

الرئيس الأمريكي "دونالد ترامب" كما نعرفه هو ليس أكثر من مقاول ومراهن وتاجر صفقات. هو بكل صراحة لا يفهم كثيراً في فن السياسة، ولايفقهها. هو يظن بأنّ القوّة والتكبّر والتطاول تكسبه في نهاية المطاف؛ ولا يتوقّع من التاجر المحترف بأن لا يتنازل، وبأن لا يخفّض السعر. فالتاجر المحترف يعرف بأنّه يرفع السعر حتى يحصل على أرباح في نهاية المماكسة.
ذلك هو ترامب، وتلك هي السياسة الأمريكيّة، وتلك هي القيم عندهم.... صفقات وأرباح وتنازلات وإيهام للآخرين من أجل خداعهم أو إرعابهم بهدف إستغلالهم والضحك عليهم. إن لم تنجح كل تلك الخزعبلات يأتي من بعدها التهديد بإستخدام القوّة والترهيب وفرض الأمر الواقع.
دعونا من ترامب ومن سياساته الوسخة؛ ولينظر حكّام العرب والمسلمين إلى أنفسهم... إلى شعوبهم... وإلى أوطانهم. فليستخدم حكّامنا عقولهم، وليستمعوا إلى النبهين من مواطنيهم، وليطلبوا النصيحة من العلماء(ليس شيوخ الدين) والمفكّرين من بين آهاليهم. على حكّام العرب والمسلمين بأن يتوقّفوا قليلاً ليقوموا بعمل حساباتهم. عليهم بأن يستمعوا إلى الأذكياء والنبهين من شعوبهم بهدف خلق موقفاً سياسيّاً مستدركاً وفاهماً ومحسوباً ومعتبراً. فالسياسة هي في واقعها وفي جوهرها ليست أكثر من "عمليّة حسابات"، والشاطر هو من يستفيد من اللحظة ويحقّق أرباحاً ومنجزات من تبعاتها.

ولأعود لرأس الموضوع... السيّد "دونالد ترامب" يعرف جيّداً عقليّات وتفكير حكّام الخليج العربي، وهو يعرف أيضاً الكثير عن حكّام المسلمين من خلال الخبرة ومن خلال المعلومات المتوفّرة لديه، ومن خلال نصح وترشيد معاونيه وهم أغلبهم من "خبثاء الصهاينة". ترامب يعتقد بأن القوّة والتهديد هما سلاحه القوي لفرض الأمر الواقع على حكّام الخليج، ومعهم من يحكم الأردن، ومن يحكم مصر، ومن يحكم تونس، ومن يحكم المغرب، ومن يحكم العراق... والبقيّة. فكل حكّام تلك البلاد المذكورة يعتمدون في إقتصادهم ومصروفاتهم على المعونة الأمريكيّة التي قصد بها بأن تكون بذخة وبأن تكون مجزية؛ حتى يمكن إستخدامها في المستقبل للضغط عليهم بهدف حلبهم، أو التهديد بإيقافها إن تطلّب الأمر.
المقاول ترامب خرج على العالم بطلب بدأ وكأنّه غريباً ومستهجناً، وهناك من نعته بأنّه غبيّاً ومستعجلاً. لكن التاجر ترامب يعرف يقيناً ما كان يرمي إليه، ويعرف في قرارة نفسه بأنّه كان قد فكّر في الصفقة بحسابات التاجر الماهر. رفع ترامب سقف توقّعاته، وطلب سعراً باهظاً ومخيفاً ومرعباً خاصّة لحكّام الخليج الذين يفتقرون إلى منهجيّة التفكير والحسابات، وكثيراً ما يخلدوا إلى الخوف والإرتعاب والتنازل عن كل شئ. ذلك هو التأثير الجنّي(الشيطاني) عليهم من نافذة السحر كما يقول لهم شيوخ دينهم. حكّام الخليج ومعهم ملك الأردن المرتعب أكثر منهم، والذي أسرع بتلك العجالة للوقوف بين أحضان ترامب وحتى قبل أن يحقن ببعض البوتوكس Botox لعلاج تشنّجات الجفون حول عينيهBlepharospasm.
أقول لحكّام الخليج ومعهم مصر والأردن وسوريا والمغرب وتونس بأن السيّد ترامب كان قد رفع سقف الأسعار أمامكم فقط وفقط بهدف تخويفكم وترعيبكم وترعيشكم من أجل أن تتنازلوا له عن الكثير مما يطلبه منكم. إنّه يخيفكم ويرعبكم من أجل حلبكم... فرجائي بألّا تتحوّلوا إلى أبقار حلوبه له ولزبانيّته من حكّام دولة بني صهيون.
دعوني أوضّح لكم أكثر فربّما أنّني كنت أخاطبكم ببعض من التطاول على عقولكم والتغاضي عن حجم فهمكم ومدارككم. السيّد "دونالد ترمب" كان يعتمد على نظريّة الراحل "الحبيب أبورقيبة" والتي تقول: طالب بالكثير وأرضى بالقليل. "دونالد ترامب" يعرف يقيناً بأنّه لا يمكن ولا يمكن ترحيل الفلسطينيين من بيوتهم وأراضيهم بأية قوّة وبأي نوع من الإغراءات.
"دونالد ترامب" كان يعرف بأن مشروع إعادة بناء غزّة سوف يحتاج إلى ما يقرب من تريليون دولار، وبأن حماس لا يمكن إجتثاثها من غزّة. ترامب بكل صراحة - كتاجر وقصّاب بخيل - كان لا يريد أن تدفع بلاده درهماً واحداً في إعادة بناء غزّة والكثير من الضفّة الغربيّة(جنين وما حولها)، وكذلك جنوب لبنان، وكان بالفعل يخطّط لأن تدفع البلاد العربيّة والإسلاميّة تلك التكلفات الباهظة وهي راضية وفرحانة بتنازل ترامب عن شرطه لترحيل سكّان غزّة منها؛ كما تنازل وبكل بساطة عن "أمره" لحماس بتسليم جميع المختطفين الصهاينة صباح هذا اليوم وقبل الحادية عشرة صباحاً. حماس سوف تسلّم فقط وفقط ثلاثة صهاينة كما كان مبرمجاً وسوف لن تنتبه إلى تهديدات ترامب؛ فحماس ليس لديها ما تخسره أكثر مما خسرت. حكّام الخليج قد يخسروا كل شيء لو أنّهم رفضوا طلباً لترامب حتى وإن كان غريباً ومستهجناً.
أهل غزة سوف يبقون في أراضيهم، وترامب سوف لن يهجّرهم، وسوف لن تكون هناك "ريفييرا" في الشرق الأوسط. كل ما في الأمر هو أن يضطر حكّام العرب والمسلمون للقبول بالآتي:
1- إنهاء سيطرة حماس على قطاع غزّة.
2- تحمّل تكلفة إعادة بناء وتعمير غزّة بالكامل.
3- تطبيع السعودية وبقية العرب مع دولة الصهاينة.
ذلك هو مثلّث التنازلات الذي يريده "دونالد ترامب" من تصريحاته المعلنة، ومعه بكل تأكيد... إستمرار تبعية حكّام العرب لأمريكا، وإستعدادهم للمزيد من التنازلات حسب الطلب الأمريكي والصهيوني. يومكم سعيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك