2020/12/28

وماذا بعد الإحتفال بعيد الإستقلال؟

لا يمكن التفكير في التغيير بدون طرح السؤال عن سيناريو التغيير. كل شئ يبدأ بسؤال، وكلّما كان السؤال وجيهاً وتم طرحه في الوقت المناسب كلّما كان سيناريو التغيير أكثر قبولاً وأكثر عمليّة
سؤال كنت سألته من قبل، وأعيد وأكرّر نفس السؤال من جديد... وماذا بعد الإحتفال بعيد الإستقلال؟.
نحن نعرف بأنّنا في هذه السنة وبعد أن إحتفلنا بعيد إستقلالنا كنّا ربّما أقدر على رؤية صورة بلادنا وهي ترتسم معالمها أمامنا. لقد رأينا في هذه السنة صورة مختلفة عن كل سابقاتها، وقد ترسّخ هذه الصورة واقعاً يعيش معنا لعقود قادمة من الزمان، وقد يصبغ كل مستقبلنا بأثاره المؤلمة.
صورة ليبيا التي رأيناها هذه السنة ربّما هي أقبح صورة لبلادنا منذ أن أصبحت دولة برغم كل ما مرّ ببلادنا من مآسي وأحزان. صورة هذه السنة قد تكون أكثر عتمة وأكثر تشاؤماً من كل سابقاتها. 
أعتقد بأن الكثير من الليبيين والليبيّات لم يقدروا بعد على رؤية الصورة على حقيقتها، وأعتقد بأنّنا كشعب ربّما لم نقدر على رؤية مستقبلنا من خلال هذه الصورة المغبّشة. أنا هنا أتحدّث عن كيانات "إسلاميّة"، وجماعات تكفيريّة، وتكتّلات ظلاميّة تعمل بكل جد على غرز مخالبها في عمق الشعب الليبي لتقوم بعد ذلك بنسج أعشاشها في كل شبر من أرضنا الطاهرة لتكبّلنا جميعاً بأفكارها المتخلّفة وبطرق تفكيرها المخادعة أو الغبيّة إن لم تكن مخادعة.
أنا أتحدّث هنا عن الجماعات "الإسلاميّة" التي تحكم وتتحكّم في الغرب الليبي، وفي الواقع في كل الدولة الليبيّة من خلال ورقة "الإعتراف" الدولي التي تتستّر ورائها وتحكم بها.
هذه الجماعات يبدو واضحاً بالنسبة لي بأنّهم مصرّين وبكل قوّة على فرض أفكارهم على كل الشعب الليبي وصناعة دولة تتجاوز ما مرّ بالصومال وأفغانستان وربّما حتّى السودان. تلك الجماعات "المتحجّرة" هي من خريجي الكهوف، وهي مصرّة على حكمنا، وهي ترى بأنّها هي وحدها من يجب أن يحكمنا لأنّها كما تظن تحكمنا "بإسم الدين"، وبإسم "الشريعة" وبإسم "السنّة"؛ ومن أجل أن يفرضوا وجودهم علينا هم على إستعداد كامل للإستعانة بأيّ كان ومهما كان وفي أيّ مكان كان طالما أنّه يمكّنهم من فرض وجودهم علينا والإستمرار في حكمنا. هم الآن يستعينون بالأتراك وسوف يستعينوا غداً بالصهاينة والأيام هي وحدها من سوف يبرهن لكم على ذلك.
وأعود للسؤال المبدأي: وما هو الحل.... ما هو البديل؟.
أنا شخصيّاً أرى بأن هذا النوع من البشر لا تنفع معهم غير لغة القوّة. كل الكلام وكل الدعاء وكل الغضب بالنسبة لهم لا يساوئ أيّ شئ. إنّهم يريدوا أن يحكمونا وأن يبقوا سيطرتهم علينا، وهذا كان ديدنهم منذ هجومهم على كل مخرجات الديموقراطية في ليبيا في عام 2014. هؤلاء الناس لا يفهمون غير لغة "القوّة" ولا تمنعهم عن فعل المعاصي غير العصاء. السؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل هناك في بلادنا من يمتلك تلك القوّة ليعطيهم درساً في الكرامة وحب الوطن؟. الجواب يبدو واضحاً: لا، نحن وللأسف لا نمتلك القوّة لكي نوقف هؤلاء "الحقراء" عمّا يفعلون، والظاهر أنّهم سوف يحكموا ليبيا بأية وسيلة وبأية طريقة. 
قد يقول قائل: وأين هم الناس(الشعب)؟. الجواب تجدونه في مدوّنات تاريخ هذا الشعب. الشعب الليبي إحتضن الترك العثمانيين، ومن بعدهم الطليان المستعمرين، ومن بعدهم الملك إدريس بقواعده العسكرية، ومن بعدهم القذّافي بنظريّته الجماهيرية، ومن بعدهم من ثار وطالب بالديموقراطية، ومن بعدهم ب"فجر ليبيا" والمليشيات الغجريّة، ومن بعدهم بالأتراك وأربابهم في المناطق الغربيّة. 
إن المتغطّي ب"إرادة الشعب" في بلادنا هو عريان، فالشعب الذي لم يمارس الحرية طيلة حياته لا نتوقّع منه بأن ينشدها لا حتى أن يبحث عنها. هذا الشعب يريد مكرونة وأرز وسيّارات وسفر لتركيا وهو سوف يكون سعيداً لأبعد الحدود بذلك. 
هل الجيش الوطني الليبي هو بقادر على تغيير الأوضاع؟. هل يمكن الإعتماد على مصر لهزيمة الأتراك على التراب الليبي؟. الإجابة هي "لا" و "لاااااااا" كبيرة وللأسف. لقد ضيّع الجيش فرصة ذهبية قبيل نزول الأترك على الشواطئ الليبيّة منذ سنتين، وذلك بدخول العاصمة وقتها مهما كانت التكاليف؛ ولو فعل الجيش ذلك حينها لما كنّا قد وقعنا في مصيدة الإخوان. الحل من وجهة نظري هو أن يخرج المشير خليفة حفتر على الشعب الليبي ويعلنها واضحة وصريحة وجهوريّة بأنّه لا هو ولا أيّ من أولاده هم يسعون لحكم ليبيا.... على الإطلاق. الحل هو أن يكتفي المشير بقيادة الجيش مع العمل الجدي للبحث عن قيادة شابّة ومحترفة لتقود الجيش بديلاً عنه، وليبقى هو الناصح والدافع والحاثّ والمصرّ - من وراء الكواليس وبعيداً عن الأضواء - على بناء جيشاً وطنيّاً ليبيّاً يمثّل كل ليبيا من حيث القيادات ومن حيث الأفراد. ذلك المسعى قد يكون فيه الحل، ولكن هل يوافق المشير على فعل ذلك؟. أنا شخصيّاً - وبرغم كل تفاؤلي - لا أرى ذلك، ومن ثمّ فإنّ من يحكم غرب ليبيا الآن سوف يحكم كل ليبيا غداً. نعم، وبعيداً عن "العنتريات"، إن من يحكم غرب ليبيا اليوم سوف يحكم كل ليبيا غداً، وحتى أولئك الذين قد يحتموا بالإنفصال (إنفصال برقة) فإنّهم سوف لن يفلحوا على الإطلاق؛ لأنّ من يحكم الغرب الليبي وبدعم من الأتراك سوف لن يعترف بالإنفصال، وسوف يخوض حرباً شرسة "للمحافظة على وحدة ليبيا"، وسوف يجدون كل القوى العظمى ورائهم والأمم المتحدة تدعمهم وسوف يلغون مشروع الإنفصال وسوف ينتهون إلى الحدود المصريّة بدون أن تحرّك مصر أي ساكن لأن مصر تستلم أوامرها من أمريكا، وأمريكا سوف تمنع مصر من التدخّل. كذلك فإن تركيا هي بكل تأكيد دولة قوية من الناحية العسكرية ولا يمكن مقارنتها بمصر برغم العوامل الجغرافية الداعمة لمصر. تلك هي الصورة التي أراها أنا الآن ، وذلك هو وللأسف مستقبل ليبيا "القريب" على الأقل. يومكم سعيد برغم كل الأنواء.

ليست هناك تعليقات: