2020/12/25

ما هو المطلوب الآن حتى نعبر إلى الأمام؟

التغيير يعني "النظر إلى الأمام"، ولا يمكن إحداث التغيير بإعادة الماضي. حينما يعود الإنسان إلى الماضي ويعتمده فإنّه بذلك يعبّرعن عجزه في الخلق والإبداع، وتلك في حد ذاتها تعني الفشل الذريع.    

من خلال كل تلك المحاولات من قبل الأمم المتحدة، ومن خلال المساعي الوطنيّة في داخل بلادنا يمكننا الوصول إلى قناعة مفادها أن الشعب الليبي بكل فئاته هو "ربما" أصبح الآن متفقاً على المصي قدماً بتوصية الأمم المتحدة ولجنة ال75 بإجراء الإنتخابات البرلمانية والرئاسيّة يوم 24 ديسمبر 2021؛ ولكن السؤال المطروح وبقوّة هو: على أي أساس تجرى تلك الإنتخابات؟.
هناك الكثير من الأراء والإجتهادات في هذا الشأن، وأنا أرى بأنّها كلّها تسبح في دائرة "الإجتهاد" ليس إلّا. ومن خلال تلك الإجتهادات نرى الكثير من إقتراحات أصحاب "الأجندات" الشخصيّة أو الفئويّة أو المناطقيّة؛ وكلّها بكل تأكيد لا تعبّر عن رغبة وتطلّعات الشعب الليبي الذي رأيه يبقى مغيّباً في كلّ ما يتم إقتراحه بالنيابة عنه وبإسمه.
نحن نرى وبكل وضوح أن المنتمين للتيّارات الدينيّة بكل طوائفها لهم أجنداتهم، والمنتمين للمناطقيّة لهم أجتداتهم، وأولئك الذين مازالوا يحلمون بعودة النظام الملكي إلى ليبيا لهم أجنداتهم، وأولئك الذين مازالوا يحلمون بعودة "النظام الجماهيري" لهم أجنداتهم... وفوق كل شئ، أولئك الذين مازالوا يعيشون بعقليّة "الأقاليم التاريحيّة" لهم أجنداتهم ولهم أيضاً مساعيهم القويّة لفرض أرائهم على الشعب الليبي.
من خلال الطرح المذكور أعلاه، فأنا شخصيّاً - وأنا هنا لا أعبّر عن أي طائفة أو جماعة، لكنّني فقط أعبّر عن نفسي معتمداً وبقوّة على حبّي لليبيا ورغبتي في رؤيتها تنتقل إلى الأمام - أنا هنا وفي هذا الإطار أقول وبكل قوّة "لا" لفرض دستوراً منتهي الصلاحيّة على الناس، ولا وألف لا لفرض النظام الملكي على ليبيا.
فنحن نعرف يقيناً بأن الشعب الليبي كان قد خرج بكل قوّة وهو يحتضن التغيير الذي حدث في عام 1969 على أيدي الجيش الليبي، ولم يكن الشعب حينها يعرف من هو قائد ذلك التغيير. خرج الشعب الليبي وبكل تلقائيّة وبقوّة كبيرة جداً وفي كل أنحاء ليبيا بدون إستثناء فرحاً بالتغيير الذي أطاح بنظام الملك إدريس السنوسي وأعلن بأن ليبيا أصبحت "جمهوريّة" ولم تعد ملكيّة تُحكم بالوراثة. بمعنى أن الشعب الليبي كان بالفعل قد إستاء من نظام حكم وراثي مترهّل وضعيف ويعتمد في حمايته وإستمراريته على قوى أجنبية كانت لها قواعد عسكرية في بلادنا. تلك كانت إرادة الشعب مع أنّها وللأسف لم توثّق حينها من خلال صناديق الإقتراع، ولو أن الشعب وقتها كان قد أستفتي لكان قال كلمته بكل وضوح بأنّه كان بالفعل فرحاً بإسقاط النظام الملكي الذي برهن على فشله وترهّله وضعفه في السنوات الأخيرة من حكمه لليبيا والتي سبقت الثورة عليه من قبل الجيش الذي هو نفسه كان من أسّسه، والذي كان فعليّاً تحت قيادته. علينا أن نعترف بتلك الحقيقة الآن وأن ننطلق من خلال هذا الإعتراف اليقني إلى الأمام إن كنّا بالفعل نسعى من أجل بناء دولة تكون هي بصدق دولة الشعب الليبي فقط... وفقط.
من هنا أقول بأنّنا حينما نفكّر في العودة للعمل بدستور ما قبل 1969 - دعكم من دستور 1951 الملغي من قبل مجلس النوّاب المنتخب من قبل الشعب الليبي في عام 1963 - فإنّنا بذلك نكون قد دعينا إلى عودة "النظام الملكي" في ليبيا، وتلك هي في حد ذاتها تحتاج إلى رأي الناس في ليبيا قبل أية جوازيّة.... فما هو الحل البديل إذاً؟.
نحن نعرف بأن الغالبية الساحقة من الشعب الليبي كانوا قد رحّبوا ورضوا بمسوّدة الدستور المؤقّت والتي صيغت على عجل بعد ثورة 17 فبراير 2011، وبأن كل ما جرى بعد ذلك من إنتخابات وحكومات وقوانين وإجراءات وتعاقدات كان مستنداً على تلك المسوّدة الدستورية بما إحتوت عليه من نواقص وعيوب. من هنا، فيمكن العودة لتلك المسوّدة الدستورية المؤقّته وإجراء إنتخابات عليها في نهاية 2021 كما هو متفقاً عليه أخيراً، وقد تضاف إليها مقترحات "لجنة فبراير القانونيّة" والتي أضافت إلى تلك المسوّدة الدستوريّة منصب رئيس الدولة، فأصبح بذلك "الدستور المؤقّت" أقرب إلى الواقعيّة السياسية عمّا كان عليه .
إنتخابات ديسمبر 2021 سوف تفرز لنا أجساماً سياسيّة تحكم ليبيا لفترة إنتقالية ختامية - لتكن سنة واحدة - منتخبة وبكل حريّة من قبل الشعب الليبي يتم من خلالها إنتخاب رئيساً مؤقّتاً للدولة الليبية، ويتم بكل تأكيد إنتخاب مجلس برلماني جديد، ويتم تشكيل حكومة بإشراف المجلس النيابي المنتخب (مجلس النوّاب)، وتضطلع تلك الأجسام الناشئة بمهمّات جوهريّة وأساسيّة يمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
  1. تشكيل جيشاً ليبيّاً موحّداً في كل أنحاء ليبيا من خلال دمج العسكريين النظاميين في كل أنحاء ليبيا؛ تكون قيادته العليا تحت إمرة رئيس الدولة المنتخب.
  2. تشكيل جهاز شرطة موحّد في ليبيا، وذلك بدمج المنتمين لأجهزة الشرطة في كل أنحاء ليبيا؛ وتكون قيادته العليا تحت إمرة ومسئوليّة وزير الداخليّة.
  3. تشكيل مجلس أعلى للقضاء في ليبيا من بين كل القانونيين في ليبيا يتبع وزارة العدل.
  4. البدء في مشروع إعادة الأمن والطمأنينة وسيادة القانون في الدولة الليبيّة ليكون شاملاً لكل الآراضي الليبيّة.
  5. فتح باب الحريّات لكل فئات ومجاميع الشعب الليبي لأن تعبّر وبكل حريّة عن أفكارها وأرائها، وتكون محميّة بقوّة القانون في الدولة الليبية الذي تشرف على تنفيذ بنوده ومخرجاته أجهزة الشرطة مدعومة بالجيش الليبي.
تكون المدة المتاحة لتلك الفترة ستّة أشهر تتحقّق فيها إعادة أسس الدولة العصريّة إلى حيّز الوجود في بلادنا، ومن بعدها يتم إختيار لجنة ليبية لصياغة الدستور الدائم في ليبيا يعيّن أعضائها مجلس النوّاب، وتعطى لها فترة 4 أشهر لإعداد نسخة دستورية متكاملة للدولة الليبية تعرض على الشعب الليبي لإبداء الرأي حولها ثم تعديلها وتنقيحها ثم بعد ذلك تطرح على الشعب الليبي من جديد للتصويت عليها بكل حريّة في الشهر الحادي عشر من الفترة الإنتقالية الأخيرة.
بعد إعتماد الدستور الجديد من قبل الشعب الليبي، تبدأ الإنتخابات النهائيّة بناء على ذلك الدستور يوم 24 ديسمبر من عام 2022، لتستلم الشخوص المنتخبة زمام الأمور في اليوم الأوّل من يناير عام 2023 لتنتقل من حينها ليبيا إلى الأمام، وتصبح دولة معتبرة بين بقية دول العالم كما يستحق الشعب الليبي بأن يكون ويبقى ويستمر. يومكم سعيد ومملوء بالأمل والتفاؤل.

ليست هناك تعليقات: