2020/11/15

من أهم مشاكلنا أنّنا يقودنا آسافلنا

تتقدّم الشعوب حينما تختار أفاضلها ليسيّروا شئون أهلها. إن الإنسان العارف والقادر والذكي هو وحده من يرى الأشياء بصورة تختلف عن الآخرين، ومن ثمّ يحكم بغير ما يحكم به الغير. 
قال الناطق بإسم الخارجية السوداني يوم الأمس بأن السودان هو بلد غني، وبأن الشعب السوداني هو شعب متعلّم؛ وعلى "إسرائيل" أن تعرف بأنّها حينما تقيم علاقات ديبلوماسيّة مع السودان فإنّها سوف تكون هي المستفيد.... إنتهى كلام ناطق الخارجية السوداني وهو بكل تأكيد يعبّر عن رأي وتفكير النظام الحاكم في السودان.
أقول معلّقاً على هذا الكلام الغير مدروس والغير محسوب العواقب بأنّنا في كل مراحل الدراسة الأوليّة في ليبيا(إبتدائي، إعدادي، وثانوي) نقرأ بأن السودان هو بلد غني بالخيرات الطبيعية، وبأنّه بوسع السودان إطعام كل أفريقيا. قالوا لنا بأن السودان هو "سلّة غذا أفريقيا"... وعلّمونا الكثير عن السودان ذلك البلد المضياف بأهله الطيبين.
الآن - ومنذ ثلاثة عقود من الزمان - أصبحت أفكّر وأتدبّر وأبحث في حقيقة الأشياء. لقد أصبحت ومنذ سنوات لا آخذ أي شئ يقال كمسلّمة، وإنّما بدأت في التفكير في مصدره ومن قاله ومتى قاله ولماذا قاله وما هي الأسس التي إستند عليها حينما قال ما كان قاله. ذلك أوجد لي منصّة قوية أجلس عليها بكل هدوء لأفكّر وأعيد النظر فيما أقرأ أو أسمع أو أقول. ذلك بكل تأكيد جعلني أتفاعل مع الأشياء وأتعامل معها كما هي وليس كما قيلت أو صوّرت لي.
إن كان السودان غنيّاً بذلك الشكل الذي يقال لنا عنه، وإذا كان الشعب السوداني هو بالفعل متعلّماً كما قالها لنا الناطق بإسم خارجيته؛ فما هي حاجة السودان لإقامة أية علاقة مع الكيان الصهيوني؟. لماذا يكون السودان هو من يجري ويتهافت من أجل إقامة علاقات مع كيان يعرف كل سوداني بأنّه هجّر الفلسطينيين وإستولى على أراضيهم؟.
حينما أكون أنا غنياً ومتعلّماً فإنّه من العقل والمنطق أن الغير يأتون إليّ صاغرين من أجل التقرّب منّي والحظي بتعاملي معهم. إن كنت أنا القوي، فإن الغير هم من سوف يأتوا إلي، وأنا من سوف يملي عليهم... أعتقد أن هذا هو منطق الأشياء في الحياة التي نعيشها.
لو صدر هذا الكلام من الناطق الرسمي بإسم الخارجية "الإسرائيلية" فماذا تتوقّعون أن يحدث له؟. سوف تكشفه الصحافة "الإسرائيلية" الحرّة، وسوف يستدعيه برلمان الدولة المنتخب، وسوف تتم مساءلته في قاعة البرلمان، وبعدها سوف يطلب منه ترك المكان لأنّه لايليق بأمثاله؛ وبعدها - وهو الأهم - سوف يستبدل بأفضل منه. بذلك فقط تنتقل الشعوب إلى الأمام، وبذلك فقط تتقدم على غيرها.
نحن في بلادنا العربية؛ بالفعل نمتلك الخيرات الطبيعية، وبالفعل نمتلك العقول البشرية؛ لكنّنا وللأسف لا نعرف كيف نستفيد منها أو نطوّرها أو ننمّيها. نحن نطرد متعلّمينا ومفكّرينا والمقتدرين ذهنيّاً منّا إلى خارج حدودنا لأنّ من يحكمنا يرتعب منهم. نحن وللأسف يحكمنا أسافلنا، ولأنّهم "أسافلنا" فهم لايقدرون على إدارة شئوننا، وبذلك فهم يفشلون في كل شئ. حينما يفشل العاجز والجاهل والمتخلّف لا يعترف بفشله ولا يترك المجال لغيره، وإنّما يتنكّر لعجزه ويحارب كل من ينتقده ويتحوّل إلى ديكتاتور يحكم بقوة العنف.
ذلك هو وضعنا نحن العرب، ووضعنا نحن المسلمون؛ والأنكى أنّنا لا نعترف بذلك. نحن فاشلون ومتخلّفون ولا نقدر على تطوير أنفسنا.... فعلينا الإعتراف بها. إنّنا حينما نعترف بفشلنا وعجزنا وقلة حيلتنا فسوف نتوقّف ونبدأ في البحث عن البديل. متى يأتي ذلك اليوم، ومتى نقدر نحن العرب والمسلمون على تغيير أنفسنا؟. سؤال أتركه لكم لتجيبوا عليه، أما أنا فأعرف الإجابة لكنّني لا أقدر على فرضها على الواقع. إن كانت هي نفسها مشكلتكم، فإن العاجزين حينما يلتقوا مع بعض ويتوافقوا يصبحون قادرين... فهل نتوافق على ذلك؟. يومكم سعيد.

ليست هناك تعليقات: