2020/04/16

كورونا الملعونة خفّفت من بيننا الرعونة

هناك الكثير من المطبّات والعراقيل التي تواجهنا في مساراتنا قد تعكّر صفو حياتنا، وقد تنغّص علينا سعاداتنا؛ لكنّها في جوهرها وفي مغازيها هي ليست أكثر من منظّمات عبور ترشدنا نحو الوجهة الصحيحة والآمنة لكنّنا مع ذلك قد لانرى مغازيها وأهدافها حينما تعصف بنا. فلنتعلّم من كل ما يصيبنا في حياتنا، ولننظر دوماً إلى الأمام بالكثير من الأمل والقليل من التشاؤم.
 
أنا لم أشكر كورونا مثل هذا اليوم !!. ذهبت صباحاً إلى عملي وكان كل شئ يسير بإنسيابيّة وإرتياح غير معهود، ولم تكن هناك أية دوافع للتعجيل أو الإسراع أو الإرتعاب أو المخاوف.
كان كل شئ يسير كما أحب، وقامت السكرتيرات بطبع كل رسائلي من عيادة الأمس الهاتفيّة، وقمت بمراجعة كل رسائلي ووقّعت عليها إليكترونيّاً؛ ومن بعدها فسوف تذهب الرسائل إلى مستلميها (مقاصدها) وهما بكل تأكيد المريض وطبيبه الخاص، بالإضافة إلى بعض التحويلات. سوف يكون ذلك إليكترونيّاً من خلال الإنترنت، وسوف تصل كل التوصيات والنصائح قبل مساء هذا اليوم إلى أصحابها. لقد أعجبتني هذه السلاسة في العمل، وهذا الحرس الدؤوب من سكرتيراتنا الأميرات بصدق واللائي برغم كل المصاعب وعمليّات المطابقة للتعاليم والآوامر الصادرة من إدارة المستشفى - وفي كل بريطانيا - بالتخفيف من التلاقي والتواصل والإختلاط لمنع إنتشار الفيروس، وبرغم أن ثلثي السكرتيرات طلب منهن العمل من بيوتهن، إلّا أنّ السكرتيرات المتبّقيات في القسم كن بصدق قد قمن بعمل رائع وجليل إستحق منّي رسائل شكر كان لها وقعها الجميل عليهنّ بل والأجمل بكثير ممّا توقّعت.
أحسست بعد إستلام فرحة السكرتيرات لرسائل الشكر بأن هناك أشياء بسيطة وغير مكلّفة لكن أثارها الإيجابيّة قد تكون أكبر بكثير ممّا نتوقّع. الكلمة الحسنة وتقدير العمل الجيّد للغير له مؤثّرات إيجابية كبيرة وكبيرة جداً... بل وأكبر بكثير مما قد نتوقّع.
المهم ببلوغ منتصف اليوم كنت مسيطراً على الوضع بصورة كاملة وشاملة ولم أجد أي شئ يمكنني عمله في المستشفى. لآوّل مرّة منذ عشرين سنة وأنا أعمل في هذا المستشفى أجد نفسي بدون أي شئ يمكنني عمله.... الله كم أحببت الكورونا في هذا اليوم وكم تمنّيت لو أنّها تستمر في مداعبتنا بما تعرف !!.
المهم، وبينما أنا لا أجد ما أعمل، وخاصّة أن عيادتي لما بعد الظهر كانت قد ألغيت لأنّها عيادة البوتوكس وتحتاج إلى حقن وملامسة وإقتراب من المريض. بالمناسبة أنا عندي عيادتين في كل أسبوع لمرضى التوتّر العضلي Dystonia بالإضافة بالطبع إلى حالات أخرى من بينها الشقيقة، التعرّق، التريّق، إرتجاف عضلات الوجه وتغمّض العينين وغيرها من الحالات الكثيرة التي أعالجها بإستخدام السموم العضويّة العصبيّة Neurotoxins أو ما يطلق عليها بشكل أوسع Botulinum. بالطبع وشكراً لكورونا فإن تلكما العيادتين من كل أسبوع تعتبران ملغيّتان وبشكل مطلق حتى إشعار آخر!!.
من هنا وجدت نفسي باطلاً عن العمل بمنتصف النهار وما كان أمامي إلّا الخروج والذهاب إلى البيت حيث أن التعليمات هنا تقول: إذا لم يكن لديك أيّ عمل بالمستشفى فعليك أن تغادره وتذهب إلى بيتك... بالتأكيد، المقصود هو "لتقليل إنتشار كورونا" ولحماية الطاقم الطبّي من الإصابة.
المهم أنّني وأنا في طريقي ناحية البيت مررت ب"السوبر ستور" لشراء بعض متطلّبات البيت وبكل تأكيد لشراء أشياء تفرح الأولاد "العاطلين" في البيت حيث لا مدرسة ولا خروج. إقتربت من السوق وإذا بي أرى الطوابير "المتعمّدة" وهي تلف على كل جوانب محطة السيّارات الكبيرة الواقعة أمام المحل، فقلت في نفسي... أه، لا أدري متى أنتهي من الحصول على مشترياتي وكم من الوقت سوف أقضي هنا أمام السوق حتى أحصل على ما أريد. فكّرت في الذهاب إلى السوق المجاور، لكنني جرّبت ذلك في نهاية الأسبوع الماضي فوجدت طوابيره أكبر من التي أراها الآن. هنا حدثت نفسي مرة ثانية وبحثت عن أعذار تدفعني للوقوف في تلك الطوابير الطويلة أسوة بغيري من البشر. قلت: آه، إنها فرصتي للحصول على قدر كبير من أشعة الشمس حتى أرفع من مستوى فيتامين د في دمي ومن ثمّ أقوّي عظامي ومن بعدها أشعر بأنّني أصغر بكثير من عمري.... يعني "شباب" !!. أعجبتني الفكرة ورضيت بتلك الحكاية مع أنني أعرف بأنّها "من حكايات ديزني لاند" إلى حد ما !!. 
المهم، وقفت في الطابور وأخذت أترقّب الناس من حولي. وجدت العالم، كل العالم وهو سعيد وفرحان بالشمس، ووجدت بأن نفس العالم يقف في طوابير رائعة ويلتزم بكل الإشارات على الأرض والتي تحدد المسافة بين كل إثنين، وكذلك الفترات المتقطّعة والتي يسمح فيها لمجموعة محسوبة من البشر لدخول باحة السوق الكبير.
لم ألحظ ضجراً ولا خصاماً ولا تضيّقاً ولا كآبة. رأيت الناس يستمتعون بحرارة الشمس وينتظرون بكل ترقّب ولكن بكل هدوء وسكينة فرصتهم للعبور مسافة أخرى إلى الأمام. وأقولها بصدق، لم يكن الإنتظار طويلاً حتى وجدت نفسي على عتبات مدخل السوق الكبير. وجدت شخصاً بيده عداداً إليكترونيّاً يحسب به عدد الداخلين، ومن فرط عادة "حب الإستطلاع" Curiosity والتي أعاني منها منذ طفولتي؛ نظرت إلى الباب الآخر المعد للخروج فقط وإذا برجل آخر يحمل في يده عدّاداً إليكترونيّاً يحسب به عدد الخارجين. حينها عرفت بأن المحل يحافظ على عدد ثابت من المرتادين(الزبائن) في كل فترة حتى لا يحدث التقارب بينهم، وبذلك فهم يقلّلون من إنتشار الإصابة بكورونا. قلت حينها في نفسي: يا سلام عليك يا كورونا، علّمتينا اللطافة بدل الخشونة، والنعومة في التعامل بدل الرعونة.
المهم أنّني إشتريت ما أردت ولم يكن هناك أي تحجير على ما تشتري كما كان يحدث في الأسبوعين الماضيين. وجدت كل شئ متوفّراً وبكثرة، حيث أننا كنا نعاني من نقص مواد التنظيف، وكلينيكس الحمامات، والمكرونة، والأرز، والمعلبات الغذائيّة، وحبوب الباراسيتامول، وكل أنواع الصوابين بما فيها صابون الغسّالة. لكن المحل اليوم كان مليئاً بكل شئ ويسمح لك أن تشتري ما تريد طالما أنّك تدفع!!. بالمناسبة، كل أنواع العروض المغرية قبل كورونا ألغتها المحلّات وأعادت "بخبث" كل الأسعار إلى طبيعتها مستغلّة إرتعاب الناس وإقدامهم على شراء كل شئ وأي شئ بما في ذلك أشياء سوف لن يستخدموها على الإطلاق. المهم هذه المحلّات الكبرى أصحابها أذكياء، فهم من ناحية يحترمون قرارات الحكومة بعدم رفع الأسعار، لكنّهم من ناحية أخرى يرغبون في الإستفادة المالية القصوى من الوضع القائم؛ فعملوا على أعادة كل شئ إلى سعره الطبيعي، بل وبعض الأشياء رفعوا سعرها بنسبة صغيرة جداً لا يلاحظها إلّا إنسان مصاب بآفة "حب الإستطلاع" منذ نعومة أظافره... هههههه.
إشتريت ما أردت وعدت إلى البيت في وسط النهار وأنا غير مصدّق نفسي. إستمتعت بأمسية رائعة مع العائلة، وأتناول الآن غذائي بتروّ كامل حيث يتوافر لديّ الوقت وتوجد لدي الرغبة في التمتّع بما آكل. بعد قليل سوف أذهب مع أيّ متطوّع من العائلة لمشوار مشي على الأقدام، وسوف يكون ذلك ممتعاً بكل تأكيد حكماً بما أشاهده الآن من خلال النافذة الكبيرة من روعة الجوء وزرقة السماء مع أنّها أصبحت تتغشّى رويداً ببعض السحب. يومكم جميل ورائع ومفرح وواعد بإذن الله.

ليست هناك تعليقات: