2018/06/16

وماذا بعد العيد ؟!

العالم من حولنا يحسب ويقيّم ويختار وينظّم، ونحن نتفرّج مشدوهين وكأنّنا نعيش في كوكب آخر. ألم يحن الوقت لنا كي ننسجم مع غيرنا ونتخلّص من شوفينيّتنا فعسانا أن نخرج من تخلّفنا وقهرتنا ووإمتهان الغير لنا وغلبتنا؟!.   

الآن وقد صمنا رمضان وعيّدنا وتبادلنا التهاني وكنّا غاية في الروعة والدماثة وحسن المعاملة... فهل يستمر هذا الزخم وهل نجعل هذه المناسبة بداية للتفكير والتدبّر والنظر المحتسب من حولنا؟. هل نستفيد من هذا الزخم الأخلاقي بأن نتبنّى روح رمضان وروح العيد لتكونا منوالاً لنا في حياتنا وتذكرة لنا في كل تصرّفاتنا؟.
الحياة يا سادتي ليس لها إلّا وأن تعبر إلى الأمام متجهة نحو غدٍ يصنعه البشر ويراقبه الرب، فهل نكون نحن من يساهم في صنع هذا الغد؟. نعم، نحن قد تكون قدراتنا ضعيفة ومساهماتنا متواضعة في صنع الغد الإنساني، فهل بوسعنا على الأقل أن نصنع غدنا - هنا - في ليبيا بلدنا؟. هل بوسعنا أن نلتقي ونتصافح ونتبادل العبارات الجميلة كما فعلنا في العيد؟. هل بوسعنا أن نستغفر ربنا ونتوب إليه كما فعلنا في رمضان؟. هل نتواصل مع بعضنا ونساعد المحتاج منّا كما فعلنا في آخر شهر الصيام؟. هل بقى لنا الكثير من الوقت كي نسمح للعبث بأن يستمر والرفث بأن ينتشر؟.
يا أيّها الليبيّون والليبيّات... إن العالم من حولنا كلّه يسعى إلى الأفضل ويعمل من أجل بلوغ الأفضل، فلماذا نسمح نحن لأنفسنا بأن نكون نحن من الشواذ؟. هل آن لنا بأن نعقل ونتفكّر ونسعى نحو تحقيق الأفضل والأجمل والأنبل؟. دعونا نفكّر ونتعلّم الدروس ونعتبر، فوالله إنّنا لا نفعل ما تمليه علينا ضمائرنا ولا نتصرّف كما تقوله شفاهنا وكما نذكره في آحاديثنا وكتاباتنا. إنّنا نكثر من النفاق ونتعامل بالمذاق ونتجرّع كل المرّ جزاء ذلك والترياق. علينا بأن نخرج من عالمنا المظلم ونفتح عيوننا على العالم من حولنا فعسانا أن نرى نور الشمس وعسانا أن نتلمّس طريقنا نحو الأفضل.
يا أيّها السادة والسيّدات... أنا سمعت بالأمس وزير الصحّة في بريطانيا وهو يقول معقّباً على قرار الحكومة برفع الغطاء عن الخبرات الصحّية كي تهاجر بحريّة إلى بريطانيا: إن بلدنا تحتاج إلى 10,000 طبيب و30,000 ممرّض وممرّضة ولا يمكننا تخريج تلك الأعداد الهائلة من جامعاتنا في ظرف قصير من الزمن، فعلينا الترحيب بالخبرات """الجاهزة""" من خارج حدودنا فهي لا تكلّفنا شيئاً لإعداها وهي جاهزة لنا كي نستفيد منها الآن، وقبل غدٍ. إن قرار الحكومة في هذا الشأن كان صائباً، وسوف تعود مردوداته على كل مواطن في بلدنا... إنتهى النقل.
ذلك كيف يفكّر غيرنا، وبمثل ذلك فقط ينتقل غيرنا إلى الأمام؛ وبعكسه نحن نرجع إلى الخلف وندمّر بلدنا بأيدينا لأننا لا نحفل بمعاناة أهلنا ونحن نرى عذابات ونسمع آهات المعدمين منهم. نحن وللأسف لا نستخدم عقولنا ولا نرجع إلى إنسانيّتنا وروح ديننا. نحن تسيّرنا حماقاتنا وأنانياتنا وأطمعانا وملذّات أنفسنا ونعرف بأن كل ذلك على حساب غيرنا ونعرف بأنّه إغتصاب وإستلاب لحقوق أهلنا وناسنا وإخوتنا وأبناء عمومتنا وجيراننا. نحن نفضّل الإستمرار بطرق تفكيرنا التي تغلب عليها الغطرسة والغباء ورداءة التقدير لأنّنا لا نقدر على الجلوس والتأنّي والتفكير.. لأنّنا وللأسف مازلنا نعيش بعقلية البداوة وتفكير العشوائيّة والشقاوه.
ليبيا يا سادتي ويا سيّداي تمتلك من الخبرات المهنيّة والأكاديمية مالا يمتلكه غيرها من الدول المجاورة، وليبيا ربما تعتبر من بين أكبر بلاد العالم التي نزحت عقولها إلى خارج حدودها. نحن نرى عقولنا تنزح إلى خارج حدونا وخيراتنا تنزف إلى خارج ترابنا لكنّنا لا نأبه ولا نبالي... بل إنّنا وللأسف نسعد بذلك ونشجّعه من حيث ندري ولا ندري.
رجائي يا سادتي ويا سيّداتي أن نجلس ونفكّر من جديد.. دعونا نسأل أنفسنا سؤالاُ بسيطاً جداً: من هو ذلك الذي يهاجر ويترك البلد إلى غيرها؟. إنّه المتعلّم والمقتدر والواثق والقادر على المنافسة في بلاد العالم المتقدّمة..... إنّه من بين أجود العقول والخبرات الليبيّة. نعم، أبرز وأجود وأنفس الخبرات الليبيّة تهاجر ... تنزف... تسكب.. إلى خارج حدودنا ونحن نتفرّج فقط بل والكثير منا يسعده ذلك ويفرح به!!. ألسنا نحن من إبتدع مصطلح "الدبل شفرة"؟. ألسنا نحن من حارب وبكل قوّة عودة العقول الليبيّة بحجة أنّهم "دبل شفرة"؟. هل يعرف أولئك الأغبياء الذين يحاربون العقول الليبية المبدعة والقادرة ويقفون سدّاً منيعاً في وجه عودتها إلى البلاد.. هل يعرف أولئك بأنّ من يخرج من ليبيا هم فقط القادرون والمبدعون والواثقون، وبأن كل من يبقى في ليبيا في تلك الظروف السيئة والعصيبة التي صنعتها لنا مخرجات ثوة فبراير 2011... بأن كل من يرضى بالبقاء في بلد تعمّها الفوضى وتنتشر فيها الحماقة هم فقط العاجزون والفاشلون والذين لا يستطيعون المنافسة خارج الحدود مع بعض الإستثناءات التي قد تشمل أولئك الذين تمنعهم ظروفهم الإجتماعية من الهروب إلى خارج البلاد؟. 
نعم، يا سادتي ويا سيّداتي، إن كل من يخرج من ليبيا هو فقط من يمتلك العقل والعلم والخبرة والمقدرة على تقديم أجود مخرجات العقل لكنّهم وللأسف يهبون خبراتهم لغيرنا نحن من هم أولى بها.. "نحن" هنا تعني الشعب الليبي لمن قد يختلط عليه الأمر.
كل شعوب العالم تعمل المستحيل من أجل إستقطاب الخبرات الأجنبية وإغرائها بهدف جذبها للوفود إليها من أجل المساهمة في تقديم أجود وأنفس الخدمات لمواطنيها... إلّا نحن من يعمل كل ما في وسعه من أجل تهجير العقول الوطنية إلى خارج الحدود ومحاربتها بعد ذلك ووضع كل العراقيل لمنعها من العودة والمساهمة في بناء الدولة. نحن من يخرّب بلادنا ونحن من يدمّر بنانا التحتيّة، ونحن من يقف ضد إستثمار كنوز بلادنا والإبقاء عليها تحت الأرض أو تدمير ما يخرج منها لا لشئ سواء الغباء والحقد والكراهية. ألم يكن الهجوم على موانئ تصدير النفط وحرق المنشاءات النفطية والإعتصام حول أبار النفط لمنع الإستخراج ومن ثم التصدير.. ألم تكن تلك الممارسات الغبيّة من بين ما أشرت إليه أعلاه؟. ألا يستحق كل من يعبث بخيرات الشعب الليبي أن يتم الحجر عليه ووضعه في السجن مع الأعمال الشاقة إلى أن يتوب أو أن يقضي كل عمره قابعاً في دهاليز الظلام وكهوف السجن المخيفة؟.
كل عام وأنتم بخير، لكن دعونا ننطلق إلى الأمام. دعونا الآن نخرج من بهارج التهاني والتبريكات إلى مواطن العمل وباحات إستخدام العقل والإرادة من أجل بلدنا ومن أجل أنفسنا ومن أجل مستقبل أولئك الذين مازالوا بين ظهرانينا ينتظرون مستقبلاً نحن من سوف يتركه لهم....عيدكم مبارك.

ليست هناك تعليقات: