2018/01/07

مشروع الإنتخابات بدون ترتيبات

 من أجل أن تنفّذ أيّ مشروع  بنجاح، عليك بأن تستعد له مسبقاً وبقدر كافِ من الوقت يمهّد الطريق لإنجاحه، وعليك كذلك أن تبرمج وبكل وضوح خطّة سليمة ومدروسة لتنفيذه. كذلك يتوجّب عليك بأن تكون مستعدّاً لتعديله متى إقتضى الأمر ذلك.
من خلال برنامج المفوضية الوطنية العليا للانتخابات يبدو لنا واضحاً وجليّاً بأن هذه المفوضيّة هي ساعية الآن وبكل جدّيّة في برنامج الإعداد للإنتخابات الرئاسيّة والبرلمانيّة لهذه السنة والذي يرجّح بأن يكون في نهاية هذا الصيف.
المفوضيّة قامت بالإعلان للإنتخابات وبدأت فعليّا في تسجيل الناخبين، وبلغ عدد المسجّلين حتى يوم قبل الأمس 05 يناير 2018 ما مجموعه 1,875,246 حسب المعلومات المستقاة من هناك.
أن تكون مفوضيّة الإنتخابات متحمّسة ومثابرة وأن تظهر للشعب الليبي بأنّها جدّية وقادرة تلك أمورا نفتخر بها كلّنا (ليبيين وليبيّات) من منطلق حبّنا لبلدنا ورغبتنا الأكيدة في أن نرى بلدنا وقد تمكّنت من لملمة أمورها وأخذت تحبو نحو طريق المصالحة والسير في نهج إعادة بناء الدولة للإلتهاء بتقديم الخدمات الضرورية لمواطنيها وتوفير الأمن والأمان لهم بالإضافة إلى شروعها نحو الإستقرار وبروز معالم الدولة من جديد.
من وجهة نظري فإن المفوضيّة الوطنية للإنتخابات في ليبيا كانت قد قامت بمهامها كما يجب وكما هو منتظراً منها..... ولكن ؟!. هل قامت بقيّة الجهات المعنيّة في الدولة بما يتوجّب عليها وبما ينتظره منها الشعب الليبي؟.


ما الذي يتوجّب إعداده قبل إجراء الإنتخابات المزمعة؟ 
إن أية إنتخابات سيادية وفي أية دولة في العالم يجب أن تستند إلى أساس دستوري حتى تكون شرعيّة وقانونيّة وملزمة. نحن في ليبيا لا يوجد لدينا دستوراً معتمداً من الشعب الليبي، وعلينا أن نكون على بيّنة بأنّه في غياب هذا الدستور لا يمكن إجراء أية إنتخابات رئاسية أو برلمانية. وبناء عليه، فيتوجّب على كل المعنيين بالإنتخابات الليبيّة المرتقبة (أمم متحدة، ومجلس نوّاب، ومجلس أعلى، ومجلس رئاسي) أن ينتبهوا أوّلاً وقبل كل شئ إلى موضوع الدستور والعمل على تمهيد الطريق "الصحيح" نحو التصويت عليه وإعتماده من قبل الشعب الليبي. هذا أمر لا مفرّ منه قانويّاً وإجرائياً وأدبيّاً وأخلاقيّاً، وعلى تلك الجهات المعنيّة أن تركّز تفكيرها من الآن... من الآن نحو تحقيق تلك الغاية وبأسرع ما يمكن.
من ناحية أخرى، وفي حالة العجز عن إقرار دستوراً دائماً للبلاد في هذه الظروف أو في هذه الأثناء، فإنّه يتوجّب على الجهات المعنيّة المذكورة أعلاه الرجوع إلى "الإعلان الدستوري المؤقت" الذي - برغم عيوبه - يعتبر هو القانون الأساسي في الوقت الحالي للدولة الليبيّة. الإعلان الدستوري المؤقّت بتعديلته الأخيرة يسمح - حسب تصوّراتي - بإنتخبات رئاسيّة وبرلمانية لفترة إنتقالية ثالثة يتم خلالها إعتماد الدستور الدائم وإجراء إنتخابات المرحلة الثابتة بناء عليه.
لابد... لابدّ وأن تكون الأمور واضحة أمام الشعب الليبي من الآن وقبل الشروع في أية مراحل جديّة نحو الإنتخابات المزمعة حتى تكون إجراءاتنا سليمة وحتى تكون إستجابة المواطن جدّية وإيجابيّة ومتحمّسة لتلك الإنتخابات، ومن ثمّ يكون لها الأثر الإيجابي على الساحة السياسية والإجتماعية في ليبيا..... وفّق الله بلادنا والخيّرين فيها نحو حلحلة أمورها للخروج من أزمتها "الحقيقيّة" التي تمرّ بها الآن ومنذ عام 2014 على الأقل.


مرحلة إنتقاليّة ثالثة
إحتساباً للوضع القائم في ليبيا ومن خلال ما تشهده بلادنا الآن من إنقسام وفوضى وغياب الأمن وسيطرة مليشيات مسلّحة على الكثير من المناطق والمدن في ليبيا بما في ذلك العاصمة... بناء على هذه المعطيّات الغير صحيّة والغير ملائمة لإجراء إنتخابات رئاسيّة برلمانية عامة في إطار المرحلة الدائمة، فإنّني أرى بأن مثل هكذا مشروع وبهذه الضخامة سوف لن يكتب له النجاح على الإطلاق، وقد يكون بمثابة فتح بؤرة جديدة للخصام والتنافر في ليبيا. 
علينا عدم الإستعجال للبدء في المرحلة الدائمة في ليبيا، وعلينا التفكير السليم والممنهج والمدروس بعيداً عن الإندفاع نحو تنفيذ برامج كبيرة وخطيرة ومصيريّة من منطلق "الهروب إلى الأمام". إن الهروب إلى الأمام قد يعطي سكينة إصطناعية إلى حين ولكنّه إطلاقاً سوف لن يكون إجراءً سليماً خاصّة وأننا هنا نتحدّث عن كيان دولة ومصير شعب.
علينا التريّث ومقاومة النزعة الطبيعية فينا التي قد تدفعنا نحو الولوج في عوالم نعرف يقيناً بأنّها متشابكة ومعالمها متلاطمة سوف نجد أنفسنا تائهين في أعماقها وقد يؤدّي بنا ذلك إلى الغرق والنفوق.
علينا بأن نهدأ ونفكّر ونتسلّح بالصبر وطول النفس إن كنّا بالفعل نسعى إلى تحقيق غد أفضل لبلادنا ونطمح نحو مستقبل أسعد لأجيالنا القادمة. علينا بأن لا نقلق ولا نحاول قطع المراحل قبل آوانها، لأنّ ذلك سوف يؤدّي بنا حتماً إلى الضياع وفقدان كل ما تمكّنا من تحقيقه من مصالحة وهدوء وإعادة ترتيب الأوراق في ليبيا حتى وإن كان ذلك متواضعاً وصغيراً... فكل خطوة نخطوها ولو كانت صغيرة هي بمثابة دفعة إلى الأمام، وهي ما سوف ينقلنا من هنا إلى هناك.
علينا بأن نؤجّل المرحلة الدائمة إلى آوانها وألّا نستعجلها، فنحن لسنا في وضع يفرض علينا الهروب إلى الأمام. علينا بعدم الإرتعاب وعدم الهلع برغم كل الذي نراه وكل الذي نخشاه وكل الذي نتوقّعه في أسوأ الأحوال. علينا بالتريّث والتفكير السليم على أساس أن ما نؤجّله قد نفلح في إنجازه في آوانه بعد أن نتفادى مخاطر جوانبه المظلمة أو مضاعفاته الغير محسوبة.
إن العبور نحو مرحلة إنتقاليّة ثالثة من وجهة نظري هو المشروع الآمن الذي يتوجّب علينا إعتماده في المرحلة الراهنة، ولكن علينا أيضاً الإستفادة من أخطائنا في المرحلتين الإنتقاليتين السابقتين بحيث أننا نحاول جادّين تفادئ ما حدث من أخطاء خلال الفترة من عام 2014 وإلى يومنا هذا... حيث لم يكن العبور من المرحلة الإنتقالية الأولى إلى المرحلة الإنتقالية الثانية كما تصوّرناه أو حسبناه أو كما وجدنا أنفسنا أخيراً في تلاطماته المدمّرة.
علينا تعديل الإعلان الدستوري المؤقّت بما يجب حتى يستوعب الإنتقال إلى مرحلة ثالثة تشمل هذه المرّة بكل تأكيد وإصرار إنتخابات رئاسيّة وبرلمانية تلزم الجميع بقوّة القانون ولو تطلّب ذلك الإعتماد على قوّة الأمم المتحدة لفرض نتائج الإنتخابات على الجميع في ليبيا وبدون إستثناء أية جهة مهما كانت بحيث يكون اللجوء إلى إستخدام القوّة من بين الضوابط المعلنة والواضحة والأكيدة قبل الشروع في تلك الإنتخابات.
كذلك... فإن برنامج المرحلة الإنتقالية الثالثة يجب بأن يكون معلوماً سلفا ومرتبطاً "إلزاميّاً" بفترة زمنيّة محدّدة غير خاضعة للتمديد ولو ليوم واحد بحيث تتم محاسبة أي مقصّر عن تقصيره.
يجب بأن يشتمل برنامج المرحلة الإنتقالية الثالثة المهام الآتية (حسب الأولوية والأهمية):
  1. الجانب الأمني: ويشمل هذا الجانب توحيد الجيش الليبي تحت قيادة واحدة وتبعية واحدة، مع تجهيز كادر شرطي وأمني موحّد، وجهاز قضائي واحد لكل الدولة الليبيّة.
  2. الجانب الخدمي: الإسراع في تكوين حكومة موحّدة للفترة الإنتقالية الثالثة تكون مهامها فقط.... وفقط، خدمية إستعجالية ولا علاقة لها بأية مشاريع مستقبلية أو خارجية إلّا وأن يكون ذلك في إطار تأدية المهام الآنيّة ولا شئ غير ذلك. يكون للحكومة برنامج عمل واضح تلتزم به وتحاسب على أي تقصير أو تأخير في تنفيذه.
  3. الجانب الدستوري: البث في وثيقة الدستور الدائم بحيث يتم عرضها على الناس وتحديد فترة معروفة وواضحة لإستقبال أية تعديلات أو إقتراحات أو تنبيهات من أية جهة سواء كانت داخلية أو خارجية توجّه كلّها إلى اللجنة المنتخبة سلفاً لصياغة الدستور للنظر فيها وإجراء اللازم من التعديلات حيالها بحيث تقوم لجنة إعداد الدستور بعد ذلك بإصدار الوثيقة النهائيّة لدستور ليبيا المقترح في فترة زمنية محددة لا تتجاوز الستّة أشهر من تأسيس الحكومة الإنتقالية الثالثة. يتم عرض الوثيقة النهائيّة لمشروع الدستور على الشعب لإقراره في إنتخابات حرّة ونزيهة في مدّة شهرين بعد إتمام الصيغة المعدّلة النهائيّة، ويصبح الدستور وثيقة نهائيّة وملزمة بعد إعتماده من قبل الشعب.
  4. الوضع النهائي: بمجرّد إعتماد الشعب للدستور الدائم تبدأ الإجراءات العمليّة لإنتخابات المرحلة الدائمة في مدّة لا تتجاوز الشهرين من إعتماد الدستور، وننتقل إلى المرحلة النهائيّة في اليوم الأوّل من السنة الموالية للفترة الإنتقاليّة الثالثة.
العبور للمرحلة النهائيّة 
أنا شخصيّاً لا أحبّذ العبور إلى المرحلة النهائيّة في هذه الأثناء نتيجة للظروف التي نعرفها جميعاً. أنا أيضاً مع الجهات المسئولة إن هي قرّرت العبور إلى المرحلة النهائيّة لآنّني وبصدق أضع يدي مع كل محاولة لبناء دولتنا الحبيبة، ودائماً أؤمن بأنّ أية محاولة مهما كانت صغيرة سوف تكون لها نتائج إيجابيّة.... وأن تأتي متأخّراً خير من ألّا تأتي على الإطلاق.
إذا نحن قرّرنا العبور المباشر إلى المرحلة الإنتقاليّة، فإنّ هناك إجراءات مسبقة يجب القيام بها قبل الشروع في ذلك المنحى:
  1. أن يتم طرح شكل الدولة (نظام الحكم) - وما إذا كان الشعب الليبي يريد دولة موحّدة أو فيدراليّة - على الشعب الليبي بكل وضوح وبكل شفافيّة وأن ننتظر قرار الشعب الليبي الملزم للجميع قبل الشروع في أية إجراءات للمرحلة النهائيّة.
  2. أن يتم التصويت على الدستور بعد تعديله ومناقشته العلنيّة بما في ذلك نظام الحكم والشكل الإداري للدولة بعد إن يقرّها الشعب. حينما يتم تجهيز النسخة النهائيّة المنقّحة للتصويت عليها من قبل الشعب، تتم الدعوة لإنتخابات عامة في ليبيا على الدستور لإقراره من قبل الشعب الليبي. بمجرّد إقرار الدستور الدائم من قبل الشعب الليبي يصبح بذلك ملزماً للجميع في ليبيا وتصبح حينها مخالفته بمثابة مخالفة قانونيّة للدولة تتم المحاسبة عليها.
  3. بمجرّد إعتماد الدستور النهائي للدولة الليبيّة يتم الشروع في إجراء إنتخابات عامة للرئاسة والبرلمان والتي عن طريقها ننتقل إلى المرحلة النهائيّة والثابتة للدولة الليبيّة.
العبور المباشر لهذه المرحلة كما ذكرت سالفاً له الكثير من المخاطر وتشوبه الكثير من المحاذير علينا التنبّه إليها والبحث عن الوسيلة أو الوسائل الناجعة والفاعلة لتفاديها أو على الأقل معالجتها والتي من أهمّها الوضع الأمني ووجود المليشيات المسلّحة. كذلك وجود قوى وهيئات وحكومات مختلفة في ليبيا ومدى إلتزام تلك الجهات والفئات بمخرجات الإنتخاب. كل تلك الأمور يجب عدم الإستهانة بها والنظر إليها بكل جدّية وبكل مسئوليّة حتى لا تكون من أسباب فشل المرحلة النهائيّة.

في هذا الإطارأقول، إن فشل المرحلة النهائيّة يعني بكل تأكيد القضاء على شئ إسمه الدولة الليبية، وسوف يؤدّي ذلك بكل تأكيد إلى تقسيم ليبيا وتشطّرها ومن ثم سوف تكون إعادة لملمتها من جديد مستحيلة... وليس شبه مستحيلة.
أنا مع التيّار الذي ينظر إلى الأمام ومع من يفكّر ويحسب ويتدبّر، وما من أمل لي غير رؤية ليبيا وهي يعاد بناؤها من جديد على أسس سليمة وعقلانيّة وواقعيّة وعصريّة أيضاً. أنا لا يهمّني أيّ شئ أكثر من بلدي ولا يمكنني إطلاقاً أن أكون حجر عثرة في أي سبيل يسعى إلى بناء هذه الدولة وإعادتها إلى حضن الحظيرة الدوليّة حتى نكون أمنين في بلادنا ونحظى كلّنا (ليبيين وليبيّات) بإحترام العالم لنا. وفق الله كل إنسان وطني يسعى إلى المساهمة في إعادة بناء ليبيا، ودعائي إلى الله بأن يوفّقنا في كل مسعى صادق ننتهجه ونعتقد بأنّه سوف يوصلنا إلى حيث نريد.     

ليست هناك تعليقات: