2017/02/26

خرجت أبحث عن الربيع

 من كان الربيع يتورّد في داخله فإنّه يراه حيثما ذهب ويسعد به حيثما كان. من يحسّ بالسعادة في داخله يراها ماثلة أمامه أينما حلّ وأينما إرتحل.... نحن من يصنع الحياة، والإنسان الفاشل العاجز هو فقط من ينتظر بأن تُصنع الحياة له. 

إستيقظت هذا الصباح كعادتي يوم الأحد عند حدود الساعة العاشرة صباحاً ومن خلال النافذة المطلّة على الحديقة حدّقت بعيدأً في السماء علّني أبصر شيئاً من زرقتها فلم أفلح، وحاولت إختراق السحاب بعينيّ لألمح شمس الربيع فما وفقت. قرّرت الرضاء بالقدر وقبول المقتدر وقلت في نفسي: إن لم نر الربيع فمعنى ذلك أنّ وقته لم يأت بعد ولكن ليس لأنّه مختفي عنّا.
قبيل الظهيرة قلت في نفسي لابد لي من البحث عن الربيع في مكان آخر فعلّني أرى بعض من ملامحة، وبالفعل خرجت إلى الحديقةة الكبيرة التي لاتبعد عنّي كثيراً وهناك لم يكن لي من هدف غير البحث عن أي أثر لخطى الربيع وهو يتمشّى بين الأشجار ويتجوّل بين المسارب والمماشي الصغيرة المتشرة في كل مكان في الحديقة الكبيرة... كنت أبحث عن ملامح الربيع أينما يمكنني أن أعثر عليها أو أجدها.
وضعت سيارتي في محطّة السيّارات المجانية التابعة للحديقة ومنها إنطلقت نحو الجهة الغربيّة متجهاً ناحية الشمال ناظراً في كلل إتجاه ومحدّقاً في كل صوب باحثاً عن سناجب تتراقص أو فراشات تتقافز أو عصافير تتطاير... لكنّني لم أرى شيئاً منها. 
بكل تأكيد لم أفقد الأمل فالأمل هو جزء منّي ويسير معي إلى حيث أسير، ولم أيأس، فأنا لاتوجد كلمة يأس في قاموس مرادفاتي؛ ومنن ثم واصلت المسير متجهاّ نحو الشمال، وهناك أبصرت منحدراً شديداً كنت أرى الورود من خلفه كل سنة مع بداية الربيع، وهناك خطرت ببالي فكرة أن أمشي إلى الخلف صاعداً المنحدر الشديد ظننت بأنها سوف تكون تمارين مريحة لعضلات الظهر وخلف الساقين، وبالفعل لقد شعرت بالكثير من الإنتشاء والإرتياح وأحسست بأن عضلات ظهري هي بدورها بدأت تشم رائحة نسيم الربيع فطاوعتني بشكل كبير جداً ودبّت في أوصالي طاقة كبيرة ونشاط رائع دفعني لمواصلة الرحلة إلى أعلى التبّة (الهضبة) ولكن مع السير إلى الوراء. كانت الرحلة شاقّة فهي بكل تأكيد ضد طبيعة الحياة (ضد وقع وتأثير الجاذبيّة الأرضية) لكن الإصرار والعزيمة والبحث عن نشوة الإنتصار... كل تلك الحوافز شجّعتني على مواصلة المسير في الإتجاه وبالطريقة التي إخترت، وما هي إلّا دقائق حتى وجدت نفسي في أعلى التبّة، ومن هناك نظرت حولي في كل كان باحثاُ عن أزهار الربيع فما رأيت شيئاً منها وما شممت عطراً من بين خلجاتها وثناياها. 

مازلت لم أصب بعد بخيبة الأمل التي كثيراً ما تحاصرك في مثل هذه المواقع، وإستمرّيت في سيري نحو الشمال، ثم بعدها إنحنيت قليلاً نحو اليسار وهناك... نعم هناك أبصرت زهيرات صغيرة جداً وهي مازالت في المهد تحاول أن تصرخ صرخة الحياة كطفل وليد تزل لتوّه من رحم أمّه. نظرت إلى الزهيرات الصغيرة غير مصدق لنفسي، حيث ظننت بأنّني إنّما كنت أحلم أو أتخايل أو أتصوّر. إقتربت من الشجيرة الحاملة لتلك الزهيرات وقمت بلمسها بيدي حتى أصدّق ما أرى... وبالفعل كانت زهيرات حقيقيّة ولكن بدون عطور وبدون فواح. قلت في نفسي وما يضيرني طالما أنني رأيتها ولمستها فسوف يأتي عطرها بعد أن تخرج بكليّتها من مهدها، وقمت حينها بأخذ صورة لها وأنا لا أكاد أصدّق بأن مهمّتي الشاقة قد تكون بدأت في التنعّم بأكلها. 

نظرت في كل مكان حول تلك الشجيرة فلم أرى غير باسقات رشيقات ولكن غير كاسيات. نعم... أشجار طويلة ورشيقة رافعة رأسها في السماء بكل خيلاء وبكل إستعلاء لكنّها مع كل ذلك كانت عارية. نعم.. كانت تلك الجميلات عاريات، فأحسست بالتأسّف لأحوالها وقلت في نفسي ومن ذاك الذي يحاول إذلال هذه الباسقات الجميلات؟.
بعد تأمّل قصير وبقليل من التفكير إهتديت إلى معرفة قصّة ما حدث. فقد مرّ بهذه الحديقة فصل الخريف الذي بهدوئه وبلطافته وبسكونه أقنع تلك الباسقات الرفيعات بأن تخلع ما ترتدي، وبالفعل سمحت الجميلات لوريقاتها الخضراء بأن تتساقط تتابعاً من على أجسادها وبكل برودة أعصاب، وأيقنت بأنّها إنما كانت تفعل ذلك بكل طيب خاطر وبكل مطاوعة إستجابة لملاطفة الخريف الهادئ والمثابر والصبور وتأثّراً بدغدغات أنامله الرقيقة حينما حرّكها بكل لطف حول أجسادها الناعمة ومن هناك أنزلها بكل هدوء وبكل ثقة حول أطرافها حتى نهايات أصابعها الرفيعة التي كانت حينها مخضّبة بالحناء ومعطرة بطيب الطبيعة الخلّابة.
المهم في الأمر أن السيّد الرحيم والهادي المسمى "خريف" كان قد أقنع تلك الحسناوات بخلع ما ترتدين وهو يعرف يقيناً بأنّه حينما يبرح المكان فلن يأتي من بعده إلّا ذلك خشن الصوت بارد الأعصاب متجمّد الأطراف المدعو "شتاء".
وبالفعل، جاء الشتاء قبل ميعاده ولم ينتظر كثيراً حتى يمكّن الخريف بأن يبرح عن كل طواعيّة وطيب خاطر. وما إن بدأ الخريف يحزم أمتعته شارعاً في الإنصراف حتى أسرع الشتاء في إصدار آوامره لكل من حوله من الأشجار والشجيرات بأن تبقي على ملابسها مخلوعة وبأن لا يجبرها البرد والصقيع على التجروء لمخالفة الأوامر الصارمة لها بأن تبقى عارية، مع العلم بأن حتى النبتات الصغيرة لم تسثثن من ذلك الأمر وظلّت كلّها خانعة وخائفة وملتزمة بآوامر المتجبّر البارد الأعصاب والثقيل الظل المدعو شتاء.
نظرت إلى تلك الباسقات بالكثير من الإعجاب محاولاً تبيان ملامح الوجه والعيون وتعبيرات الشفاه لكنّني لم أتمكّن من رؤية أي من تلك الملامح نظراً لبعدها عنّي فقد كانت الباسقات شاهقات أيضاً ومغاليات في الإرتفاع بشكل كبير جداً. بعد نظرة الإعجاب تلك خالني شعور بالأسف والخيبة حينما نظرت إلى أجسادها الممشوقة وهي عارية تكاد تتجمّد من الصقيع، فقلت في نفسي حينها... لا أدري كيف كانت أحوال هذه الرشيقات في منتصف ديسمبر ويناير حينما كان السيّد شتاء يسيطر على كل المكان لوحده وحينما كان واثقاً من وجوده عارفاً بأنّه لامنازع له على كل هذه الحديقة الكبيرة وما حولها.

المهم أنني بعد تلك الوقفة التأمّلية والتأسّفية قررت مواصلة المسير باحثاً عن آثار أخرى قد تنبئ بقدوم الربيع. وبعد أن قطعت مسافات طويلة وأنا ألفّ حول تلك الحديقة الكبيرة وصلت أخيراً للجهة الجنوبيّة منها وهناك كنت أرى في كل سنة أروع أزهار الربيع وهي تتفتّح قبل الآوان وتملأ بعطورها وأريجها كل المكان، وهناك وجدت ربّما أحسن ما يمكن العثور عليه في هذه الحديقة الضخمة من علامات الربيع. نعم... وجدت هنا أكثر مما وجدته في أي مكان آخر في هذا الوقت من السنة ونحن مازلنا في شهر فبراير، ولو أنّنا أصبحنا الآن على مسافة بضعة فراسخ من رؤية تلابيب الشتاء الثقيل الظل وهو يترك المكان منهزما أمام رونق وجمال الربيع الذي أخذ يطل بهندامه الرفيع وبألوان ملابسه الفضفاضة والتي أزدادت جمالاً وروعة بفعل تلك الإبتسامة العذبة والنظرات الواعدة للقادم الرقيق المدعو ربيع.

بعد أن أكملت رحلتي الإستكشافية لهذا اليوم وأنا ابحث عن أي أثر من آثار الربيع شرعت متجهاً نحو سيّارتي وهي مازالت رابضة في محطة الوقوف ولكن من الجهة الأخرى بعد أن لفّيت حول الحديقة بدورة كاملة يمكن تشبيهها إلى حدّ ما برحلة ماجلّان.
وأنا في طريقي نحو سيارتي كدت أصاب بوقع الهزيمة لولا أنّني تذكّرت منظراً كنت رأيته في الليلة البارحة من خلال صفحات الفيسبوك عن مدينة المرج، وكان يعكس جمال الربيع في ليبيا الحبيبة. نظرت إلى الصورة من جديد في هاتفي النقّال ومن خلالها رأيت ربيع ليبيا وهو يسبق ربيع بريطانيا ويتجاوزه جمالاً وروعة، وحينها قلت في نفسي.... جمال ربيعنا هو في بلادنا وما علينا ألّا أن نفتح عيوننا كي نراه ونحس به كما رسمه الله لنا. ربنا يفتح عليك يا ليبيا الحبيبة حتى تتخلّصي من هذا العبث الذي منعك من الإستمتاع بزهور وعطور ونسمات ربيعك.

وفي يوم السبت 25 مارس 2017 قمت بفسحة أخرى في نفس الحديقة ورأيت الربيع يبتسم لأوّل مرّة منذ العام الماضي، وهناك تذكّرت قصيدة كنت كتبتها للربيع في نفس هذا التاريخ من العام الماضي رأيت إضافة صور لها من الحديقة أخذتها صباح هذا اليوم حتى تبهج القصيدة وتضيف إليها بعض البشر والإبتسام.

ليست هناك تعليقات: