2016/04/16

النيوترون

العالم من حولنا هو مليئ بالمجاهيل التي مازلنا لا نعرف عنها شيئاً، والعلماء هم من سوف يكشف لنا المزيد عن عالمنا الذي نعيش فيه من أجل أن نتعرّف على ما عساه أن يمكّننا من تقديم أفضل الخدمات لأنفسنا ولأجيالنا القادمة. لا يوجد بديلاً عن العلم والبحث العلمي، وعلينا بأن ننطلق إلى الأمام ونترك الماضي لما كان قد تحقق فيه حسب ظروفه وحسب علومه وحسب إمكانياته الذهنية والمعرفية والطبيعيّة.
برنامج رائع من البي بي سي راديو 4 في إطار حلقات "في عصرنا" In our time الشهيرة والتي يقدّمها المذيع المبدع
 "ملفين براغ". الحلقة منقولة كاملة على الرابط، وأضع هنا ملخّصاً عربيّاً لأغلب النقاط التي وردت فيها لتعميم الفائدة.
ضيوف الحلقة: فال جيبسون (بروفيسّورة في طبيعة الطاقة العالية بجامعة كامبريدج)، أندرو هاريسون (بروفيسّور في علوم الكيمياء بجامعة إدنبرة)، فرانك كلاوس (بروفيسّور إميريتس في علوم الطبيعة بجامعة أكسفورد).



النيوترون هو واحد من مركّبين أساسيّين في نواة الذرّة هما النيوترون والبروتون. البروتون هو العنصر الذي يحمل الشرارة الكهربائية الموجبة والتي تجذب جزئيّات الذرّة بقوّة مع بعض وتحافظ على تماسكها، والنيوترون هو ما يحمل الإشارة المتعادلة ومن ثمّ فإنّه في الظروف العاديّة لا توجد له مهمّة محدّدة أكثر من كونه جزء مهمّاً في الذرّة وهو ما يشعل الشرارة الأولى لأي نشاط كهربائي في داخل الذرّة.
In our time
عندما تأخذ نفساً عاديّاً وليس بالضرورة عميقاً فإنّك تتنفّس ملايين الملايين من ذرّات الأكسجين إلى داخل رئتيك، وهذا يبيّن لك كم هي صغيرة الذرّة من ناحية الحجم. وإذا أردنا أن نتصوّر حجم النواة في داخل الذرّة فعلينا تصّور أن الذرّة هي عبارة عن ملعب كرة قدم، والنواة حينها تكون في حجم حبّة حمص في داخل ذلك الملعب الكبير !.

العالم الكيميائي "رذرفورد" كما يعرف الكثيرون ممن قرأوا علوم الكيمياء هو أوّل من تعرّف على نواة الذرّة في عام 1912، لكنّه حينها لم يكد يعرف أكثر من كونها كتلة متناهية في الصغر تحمل شرارة كهربائيّة تتوسّط الذرّة. في عام 1919 رذرفورد تعرّف على البروتون وفي تلك الأثناء بدأت ملامح الجدول الدوري للعناصر الكيميائيّة تتكشّف معالمها، ومن هناك تبيّن لرذرفورد بأنّ كل مادة فيزيائية لها نواة تحمل شرارة كهربائيّة مختلفة بناء على عدد البروتونات بداخلها؛ وبعد ذلك تبيّن لرذرفورد كذلك بأنّ وزن النواة يختلف من عنصر لآخر بشكل كبير ولو أتفق عنصرين في عدد البروتونات. هنا إستنتج رذرفورد بذكائه الخارق وولعه العميق بفهم كينونة الأشياء بأنّ المسئول عن وزن الذرّة هو ليس حجمها وليس عدد البروتونات التي هي بداخلها، وإنّما بوجود عنصر آخر في داخل نواة هذه الذرّة. تمكّن رذرفورد بعد بحث وتمحيص من التعرّف على البروتون كمكّون آخر للنواة في داخل الذرّة في عام 1922، ومن حينها بدأت المعلومات تتزايد بشكل تراكبي على الذرّة والنواة التي بداخلها.
في عام 1933 تمكّن العلّامة (ليس كعلّامة شيوخ الدين !) جيمس شادويك من جامعة كمبريدج - وهو تلميذ رذرفورد - والحاصل على جائزة نوبل في علوم الذرّة... تمكّن من التعرّف على النيوترون ومكوّناته من البروتون والإليكترون . الطريف أن البروفيسّور شادويك حينما نشر نتائج بحثه المطوّل عن النيوترون في مجلّة "الطبيعة"، كان قد ختم مقاله ذلك بالقول للقرّاء... أنا آسف بأنّني ضيّعت وقتكم بأن أخبرتكم عن معلومة كيميائيّة سوف لن تستخدموها إطلاقاً في مستقبل حياتكم !.
في تلك الأثناء تمكّن العلماء (ليس علماء دين !) في برلين ومن بينهم "رونتيغن" من العثور على جزئين موجبين يقابلهما جزئين سلبيين في نواة ذرة الهيليوم، وبعد التجارب المختلفة عليهما توصّل العلماء الألمان إلى تسمية الجزئين السالبين المنبعثين بسرعة خارقة من النواة في حالة إثارتها ب "أشعة غاما" التي نعرفها اليوم والتي لا تختلف عن أشعة إكس إلّا في طول الموجة ومن ثمّ السرعة التي تنطلق بها كل واحدة منهما، وكانت تلك الأشعة السينيّة قد أستخدمت في التصوير الأشعي منذ ذلك الزمان وحتّى اليوم.
في نفس الأثناء قام العلماء الفرنسيّون بأبحاث عديدة ومتنوّعة ومتعمّقة للتعرّف على خفايا الذرّة ومكوّنات النواة بداخلها، وإنشغل عالم إيطالي كذلك بالبحث في موضوع تصويب أشعة ألفا على النيوترونات بهدف إختراقها ومن ثم العمل على إنشطارها بهدف تفكيك مكوّناتها من البروتونات والإليكترونات بهدف إنتاج طاقة عظيمة وهائلة.
في نفس تلك الأثناء، كانت كل معامل البلاد العربية والإسلامية مقفلة، وكان المسلمون مازالوا يتجرّعون مرارة أثار الهزيمة في الأندلس والتي ما إن ضعفت مرارتها حتى لحقت بها هزائم أخرى كانت ربّما أكثر مرارة وقسوة من هزيمة الأندلس والتي كما نعرف تمثّلت في هزيمة المسلمين في الحرب العالمية الأولى وتفكّك الإمبراطورية العثمانية الأمر الذي قسّم كل بلاد الوطن العربي إلى دويلات تم توزيعها على الراغبين في الإعمار(الإستعمار)، ووصل التقسيم إلى تركيا نفسها حينما أخذت بعض الطوائف الدينيّة تتقاتل فيما بينها بإسم الإسلام في داخل الدولة التركية ولولا نباهة وشجاعة وتيقّن مصطفى كمال آتاتورك لكانت تركيا وقتها تحوّلت إلى قطع متناثرة تلحق كل قطعة منها بمكان تكون قريبة منه.
في آواخر العشرينات وبينما كان علماء بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا يجتهدون من أجل التعرّف على عوالم كانت مجهولة حينها، حدثت أوّل محاولة للوهابيين في السعوديّة للتمدّد نحو أفريقيا وذلك بتأسيس "جماعة الإخوان المسلمون" بإقتراح وتشجيع من بريطانيا التي كانت تستعمر مصر حينها، وبالفعل أعلن عن تشكيل الجماعة في عام 1928م.
عودة إلى النواة في داخل الذرّة... كما نعرف فإنّ البروتونات والنيوترونات تتكدّس وتتزاحم كلّها في وسط النواة بينما تطوف الإليكترونات في أطرافها البعيدة بما يحافظ على كل الجزئيات الموجبة في آماكنها في وسط النواة والإليكترونات في مداراتها حول النواة، وهذا التكدّس في حقيقته يؤدّي إلى توليد قوّة تنافر كبيرة بين الجزيئات الموجبة بما يمنع تلامسها مع بعض وتحطّمها حول بعضها وتحافظ النيوترونات على ذلك التوازن الرهيب بحيث تحرّر مجموعة إضافيّة من البروتونات وتطلق بعيداً مجموعة من الإليكترونات حسب الحاجة.
تبيّن بعد ذلك بأن النواة تحتوي على جسيمات متناهية في الصغر تختلف عن البروتونات لكنّها تحتوي على تكدّس محدد للنيوترونات في شكل عقد صغيرة جدّاً يختلف عددها من عنصر كيميائي إلى آخر تسمّى "أيزوتوبس" Isotopes أو "أيزوتوبات" إن نحن نطقناها بالعربي. هذه الأيزوتوبات تختلف حتى في عمرها (زمن بقائها) من أجزاء متناهية في الصغر من الثانية مثل الهيدروجين ( نصف الحياة 23 * 10−24 من الثانية) إلى مدى الحياة مثل اليورانيوم-238. هذه الأيزوتوبات كما يعرف البعض هي ما يستخدم اليوم في الطب النووي (ليس الطب النبوي !) بإستخدام كاميرات جاما الشهيرة. الأيزوتوبات الموجبة تسمّى البوزيترونات Positrons، وهي تستخدم الان في آخر تقليعات الطب النووي المسمّى Positron Emission Tomography scan أو ما يعرف رمزيّاً ب PET scan، وهذا النوع من التحاليل الإشعاعيّة كثيراً ما يستخدم للبحث عن السرطانات المخفيّة والتي تعجز جميع أنواع التصوير الإليكتروني الأخرى من العثور عليها، وهي حسّاسة جداً في التنقيب عن أصغر وأعمق وأخفى السرطانات في الجسم.
وآتي بكم بعد هذه المقدّمة إلى أهم جزء في هذه الحلقة على الإطلاق بالنسبة لي أنا كمتدبّر وكمهتم بعالم الغيب(المجاهيل) وهو موضوع "الإضمحلال النيوتروني" Neutron Decay، وكيف أن هذه العمليّة بوسعها أن تخبرنا وتعلّمنا عن نشأة الحياة وربّما أيضاً عن نهايتها.
النيوترونات كما نعرف الآن هي جزئيات مستقرة في داخل نواة الذرّة وهذه الحالة التي عليها النويترونات تمكّن من دراستها بعمق وبالكثير من التفاصيل بإستخدام الأجهزة التحليلية المختلفة بما فيها أشعة إكس نفسها. كذلك فإن هذه النيوترونات لها أنصاف حياة Half Life مختلفة ومتباعدة جداً، وكما ذكرت عاليه فإن بعضها قد يعيش لأجزاء متناهية في الصغر من الثانية، وبعضها يعيش مدى الحياة. هذا التباعد في نصف الحياة الزمني مكّن العالماء من معرفة ما كان قد حدث في الثواني الأولى من بدء الحياة. فبعد "الفرقعة الكبرى" Big bang بجزيئات من الثانية كانت ذرّات رماد الإنفجار مليئة بالنيوترونات، الإليكترونات، البروتونات، والنيوترينوات. النيوترينو هو النسخة المتعادلة من الإليكترون (مثل النيوترون هو النسخة المتعادلة من البروتون)، وفي الجزء الصغير من الثانية في اللحظة (الخطفة) أو (اللمحة) الأولى من بداية الحياة على الآرض أخذت النيوترونات تتصادم مع الإليكترونات بشكل رهيب ممّا أحدث الفرقعة الكبرى والتي نتجت عنها أعداداً هائلة من النيوترونات وهي تعتبر أكبر وزناً من الإلكيترونات بمقدار لا يتعدّى 0.001 مرّة لكنّ ذلك الإختلاف في الوزن قد يكون أكثر من عملاق ورهيب في عالم ملئ بالنيوترونات، ومن ثمّ فلا يمكن الإستمرار في إنتاجها لأن ذلك سوف يحدث إختلالاً رهيباً في توازن الكون نظراً للأعداد الهائلة من النيوترونات التي تواجدت (أنتجت) أثناء ذلك الإنفجار الكبير. بسبب ذلك الإختلال المتوقّع في توازن الكون، توقّف إنتاج النيوترونات (توقّفت الحياة عن إنتاج النيوترونات الجديدة نهائيّاً) وبذلك فإنّ النيوترونات التي تم تخليقها في ذلك الجزء من الثانية بعد أن توقّف التفاعل بين البروتونات والإليكترونات وأخذت الفرقعة الكبرى في البرود، لم يعد أمام النيترونات المتبقّية من خيار غير أنّها تموت وتنتهي في مدة لا تتجاوز العشرة دقائق أو نّها تمسك بالبروتونات لتنتج الديوترونات، ومنذ تلك اللحظة من الزمن بدأت أوّل عناصر الحياة في التكوّن وهي العناصر الكيميائيّة الخفيفة مثل الهيليوم.
توجد في عالمنا اليوم نجوماً تحتوي على النيوترونات فقط وتصل أعدادها إلى مئات الملايين. هذه النجوم نظراً لإحتوائها على النيوترونات فقط فهي أثقل الأجسام في الحياة على الإطلاق، وهي من أكثر النجوم كثافة تركيزية ومن أكبرها قوة في المجال الكهرومغناطيسي ومن أكبرها في وزن الجاذبيّة على الإطلاق، أي حوالي بليون مرة أكثر من وزن الجاذبية على كوكبنا الآرضي.
تم إكتشاف هذه النجوم النيوترونية في عام 1967 من خلال مجالها الكهرومغناطيسي الفريد.
عمليّة أن البروتون يعتبر أخف من النيوترون بمقدار 0.001 مرّة يعتبر ربّما هو سرّ الوجود وسر الحياة بالنسبة لنا في هذا العالم. البروتونات بكل تأكيد هي من أوجد كل عناصر الحياة بدءاً بالهيدروجين وبقيّة مكوّنات الحياة كما ذكرت في القرآن، ولكن لو أنّه حدث أي إختلال بسيط في هذا الكون... كأن - مثلاً - تبدأ البروتونات تتحوّل إلى نيوترونات فإن عناصر الحياة سوف تختفي وبذلك تنتهي الحياة في ومضة برق، أو لمحة بصر: {ولله غيب السموات والأرض وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب إن الله على كل شيء قدير}.
من هنا رأيت كيف يفكّر العالم من حولنا وكيف يتعرّفون على عظمة خلق الله وقدراته اللامحدودة. وإذا حاولنا أن نقارن علماء الحياة بشيوخ الدين عندنا والذين يظنّون بأنّهم هم دون غيرهم "العلماء" وبأن غيرهم لا يفقه أي شئ.... فهم - حسب إدعاءاتهم - من يعرف ويفقه كلام الله، ومن ثمّ فهم العلماء وغيرهم يعتبر من الجاهلين الذين لا يفقهون أي شئ. لو أنّنا بصدق إكتفينا ب"علمائنا" الذين يفقهون كل شئ وتركنا غيرهم وتجاهلنا علومهم الحياتيّة المتجددة والمتعمّقة لكنّا متنا وإنتهينا من زمان. شيوخنا لا يفقهون أي شئ ومشكلتهم الكبرى أنّهم يتجاهلون عمق جهلهم بالعالم الذي يعيشون فيه... وتلك هي مصيبتنا الكبرى.

هناك تعليق واحد:

محمّــــد بالحـــــاج يقول...

كلّما إزداد الإنسان علماً كلّما رأى الدنيا بمنظار مختلف وفهم الحياة بأبعاد جديدة. لا يمكن مقارنة من يبحث ويتدبّر ويتصوّر ويقكّر ويطرح الرأي أو ينسج النظريّة بذلك الذي ينقل أفكار غيره ويلبسها ثوب القدسيّة بما يمنعه من مناقشة تلك الأفكار أو إنتقادها أو ربّما تفنيدها. لا يوجد إنسان مقدّس ولو كان نبيّاً، ومن هنا يتوجّب علينا مناقشة كل فكر إنساني مهما كان نوعه ومهما كان مصدره إن كنّا بالفعل نرغب في تغيير أنماط حياتنا ونفتح من خلالها دروباً جديدة تأوينا وتحمينا وتوسّع علينا.