2016/04/27

وما يضيرنا أن نتعلّم من غيرنا ؟

  يوم له أنبل المعاني في تاريخ القضاء البريطاني 


في عام 1989 وفي مباراة حاسمة بين فريقي ليفربول ونوتنجهام فورست في ملعب هيلسبره في مدينة شفيلد في بريطانيا حدثت مشاغبات كبيرة أثناء المباراة هيّجت المشجّعين من الطرفين المتضادّين أدّت إلى أحداث عنف تعتبر الأخطر في تاريخ الكرة البريطانية نتج عنها مقتل 96 من المشجّعين من الطرفين وجرح 766. 

أثناء حدوث المشاغبات بين مشجّعي الفريقين تدخّت الشرطة المناط بها حماية المبارة ورعايتها، وقام آمر وحدة الشرطة ديفيد دكنفيلد بفتح ممرّات تجاه منطقة مهجورة في الملعب كان قد تم إقفالها منذ سنوات لعدم توفّر السلامة فيها، وأدّى ذلك الإجراء الغير مدروس والذي كان سببه الحيرة والإرتباك لدى الشرطة في سعيها الحثيث حينها لإنقاذ الموقف... أدّى ذلك الإجراء إلى تدفّق المشجعين السريع ونظراً لعدم وجود حواجز فقد إختلط المشجعون من الناديين ممّا أدّى إلى إحداث المزيد من أعمال الشغب والقتل والإصابات بينهم.
تم التحقيق في الحادث وخرج أوّل تقرير بعد التحقيق من قبل القاضي بيتر تايلور يلوم فيه البوليس على الإهمال ويسرد أسباب أخرى للحادث ويستنتج بأن "الحادث سجّل بأسباب مجهولة"، وهذا التقرير أعطى للشرطة نفساً قوياً وأشعرها بالكثير من الإرتياح رغم لوم القاضي لجوانب تقصير من طرفها.
آهالي الضحايا لم يقتنعوا بنتائج ذلك التحقيق وطالبوا بتحقيق جديد. رفضت أم أحد الضحايا إستلام شهادة وفاة لإبنها مكتوباً عليها "سبب الوفاة حادث عرضي" معترضة وبشدّة على شهادة الوفاة تلك.
في أبريل 1990 قام الدكتور ستيفن بوبّر مسئول الطب الشرعي في المنطقة بإعادة التحقيق في القضيّة، لكنّه تناول فقط الأحداث وحتى الدقيقة الثامنة بعد نهاية المبارات متغافلاً ما حدث بعد ذلك من تقصير في خدمات الطوارئ والإسعاف.
في أغسطس 1990 تبيّن للمدّعي العام ألين جرين بأنّ حيثيات القضيّة تفتقر إلى الأدلّة الكافية لإصدار حكم إدانة ضد أية جهة، ومن ثمّ أبقى على الحكم السابق بأن الحادثة كانت بسبب شغب الجمهور المشجّع.
في مارس 1991 صدر حكماً قضائيّاً من 11 قاضياً بعد أطول فترة تقصّي في تاريخ بريطانيا إستمر لتسعين يوماً متواصلة يقول بأن سبب وفاة ال 96 شخص كان "حادثاً عرضيّاً".
في مارس 1993 تبيّن لأسر الضحايا بأن العدل لم يحدث في حالة وفاة أبنائهم وقاموا بتشكيل جماعة ضغط من آهالي الضحايا لتتواصل مع السلطات الحكومية بهدف الوصول إلى تحقيق العدل في حق أبنائهم وبناتهم. تم طلب الإستئناف في هذه القضيّة من قبل رابطة الآهالي.
في ديسمبر 1996 بالتعاون مع رابطة آهالي الضحايا قامت قناة إي تي في الفضائيّة بتقديم تقرير وثائقي عن الحالة بهدف لفت إهتمام كل الجهات المسئولة في بريطانيا بما فيها رجال القضاء والمحاكم لهذه القضيّة.
في يونيو 1997 قامت حكومة العمّال المنتخبة حينها بفتح التحقيق في القضيّة من جديد بهدف الوصول إلى الحقيقة وتحقيق العدل في هذه القضيّة. أعطيت القضية للقاضي ستيورات - سميث للتحقيق فيها بإستفاضة. توصّل هذا القاضي بعد التحقيق إلى أنّ الشرطة هي المسئولة الرئيسيّة عن الحادث ولابد من تحميلها المسئولية.
سلّم ذلك التقرير لوزير الداخلية في حكومة العمّال جاك سترو الذي رفض عرض القضيّة للمحاكمة من جديد بإعتبار أنّها ستكون مكلّفة وقد لا تصل إلى نتيجة مختلفة بسبب عدم وجود أدلّة جديدة. أعتقد أنا بأن جاك سترو كان يحاول تجنيب الشرطة تحمّلهم كامل المسئولية عن هذه القضيّة.
في أغسطس 1998 قامت رابطة آهالي الضحايا بتحويل القضية إلى القطاع الخاص ودفعت الرابطة أموالاً طائلة لجهة قضائيّة مستقلّة لمقاضاة مسئول الشرطة ونائبه لتحميلهم المسئولية عمّا حدث. لم يصل التحقيق الخصوصي ذلك إلى نتيجة مرضية.
في أبريل 2009 قام عضو في البرلمان عن حزب العمّال بتشكيل مجموعة هلسبره المستقلّة لإعادة دراسة القضيّة من أساسها وبما توفّر من معلومات جديدة منذ حدوثها. بعد 3 سنوات متتواصلة من البحث تمت خلالها مراجعة 450,000 وثيقة لها علاقة بالقضيّة وشملت هذه الوثائق تقارير الشرطة ووثائق ترجع إلى فترة حكم مارجريت تاتشر وحتّى وزير داخلية حزب العمّال جاك سترو.
مجموعة هلسبره المستقلّة هذه إستنتجت بعد هذا العمل المضني بأن الشرطة البريطانية كانت وراء تغييب الحقائق بهدف تبرئة المنتسبين إليها مركّزة على أن اللوم يجب أن يوجّه إلى "شغب المشجّعين"، وطالبت هذه المجموعة بإعادة فتح القضيّة رسميّاً من جديد.
في مارس 2014 عادت القضية من جديد على السطح ولكن هذه المرّة على أعلى المستويات. سلّمت القضيّة لقاضي المحكمة العليا اللورد جولدرنج، الذي أمضى سنتين كاملتين من التحقيق العميق والمركّز إنتهت بالحكم النهائي على أنّ "الشرطة البريطانية" هي الملام الأوّل عن قتل الضحايا، وكانت أجهزة الإسعاف السريع مساهمة في كثرة عدد الضحايا بشكل ما وبذلك فهي بدورها تتحمّل جزء من المسئولية الجنائيّة.
صدر هذا الحكم يوم الأمس وبذلك سجّل القضاء البريطاني أنصع صفحة في تاريخ بريطانيا تم خلالها إحقاق الحق وكشف محاولات الشرطة تمييع القضية بهدف تبرئة منتسبين إليها، وشعر آهالي الضحايا لآوّل مرّة بأن العدل قد تحقّق لذويهم الذين ماتوا وإنتهوا لكن الإنجليز لا يسكتون على ظلم حتى يتحدّد الظالم، وتلك فقط (تحديد الظالم) تعتبر بالنسبة لهم تتويجاً لمساعيهم الحثيثة من أجل إحقاق الحق وتأكيد العدل وتحديد المجرمين ولو كانوا من كبار رجال الشرطة التي تتكفّل بحماية المواطن والسهر من أجل تحقيق العدالة وتطبيقها.
هذه القضيّة تذكّرني بحادثة مشابهة وقعت في ليبيا في صيف 1996 عندما كان الطاغية القذّافي في السلطة وكان إبنه الساعدي "لعيباً" في كرة القدم حيث أنه في نهائي الكأس الدوري العام 1996 إقتحم حرس الساعدي القذّافي أرض ملعب المدينة الرياضيّة بطرابلس وأطلقوا النار على الجماهير المحتفلة بفوز فريق الأهلي الطرابلسي.

وأفاد شهود عيان بأن الساعدي كان موجوداً آنذاك، وكان يقف خلف الجنود، حين فاز فريق الأهلي في المباراة واحد - صفر، والرأي السائد حينها كان: أن الساعدي إعتقد بأن صيحات الإستهجان كانت إعتراضاً على النتيجة ممّا أثار غضبه.
وقال أحد المشجعين الذين حضروا المباراة: "إن الحرّاس أطلقوا النار لمدة 15 دقيقة، وكان إطلاقاً عشوائياً تماماً للنار، بحيث قتل فيه 20 شخصاً".
لم يتم حتى اليوم التحقيق في تلك الحادثة، ولم يخرج آهالي الضحايا للمطالبة بإحقاق العدل في أبنائهم الذين قتلوا بدون سبب، ولم تتشكّل روابط آهالي ولا جماعة ضغط ولا أعضاء من مجلس النوّاب فكّرت في التحقيق بهدف الوصول إلى إرساء العدل والقانون. ألسنا نحن نعيش على هامش الحياة ونتجرّع الظلم بسبب أنّه في بلداننا لا يوجد من يدافع عنّا أو يستمع إلينا أو يبحث عن إحقاق الحق من أجلنا؟.
 

ليست هناك تعليقات: