2015/08/29

مقترح للحل في سوريا

ليس من العيب أن يخطئ الإنسان ولكن العيب هو أن يكرّر نفس الخطأ، أو أن يصرّ على التمادي في فعل الخطأ بعد التيقّن من أنّه خطأ.
سوريا هي بكل المفاهيم والمعايير عروسة الشام التي تتمختر بجمالها وتتسربل في أسمالها وتفتخر بثقافة أهلها وبراعة أطفالها. سوريا هي التاريخ وهي الحضارة وهي جسر العبور للإنسان من الزمن القديم إلى الزمن الحاضر وسوف تكون سوريا رغم المحن هي جسر العبور من الحاضر إلى المستقبل.
سوريا بدون أدنى شك كانت قد شهدت قفزات كبيرة في مجال الإقتصاد والخدمات والتعليم خاصّة بعد إكتشاف النفط والغاز بكميّات تجارية في عام 1984 بما ساهم بنسبة 60% من مجمل صادرات الدولة السوريّة. إرتفاع مردودات النفط في سوريا ساهم بشكل كبير وملحوظ في بناء الإقتصاد السوري بما عاد على تحسّن الخدمات والتي منها التعليم والصحّة على وجه الخصوص.
  
وكان التعليم العالي في سوريا يكفي لإمداد الدولة بما يلزمها من خبرات، بل إن سوريا كان يحق لها أن تفتخر بأنّها ساهمت مع مصر في بناء الكثير من البلاد العربيّة بما فيها دول الخليج والسودان وليبيا.
شهدت سوريا أيضاً قفزة كبيرة في مجال الثقافة والفن والمسرح والسينما، ويعرف العرب في بلاد العرب بأن تلفزيوناتهم وصالات السينما عندهم كانت تعرض أعمال سوريّة فنيّة رائعة قد تصطف في المرتبة الثانية مباشرة بعد مصر رائدة كل العرب.
الأهم من كل ذلك فإن السوريّين والسوريّات كانوا آمنين في بلادهم، ومطمئنّين في بيوتهم، وكانت عجلة الحياة في سوريا تسير إلى الأمام، وكان الإنسان في سوريا يجد بيتاً يأويه وقانوناً يحميه ودولة تقدّم له خدمات. كان الناس في سوريا ينظرون إلى الغد بالكثير من الأمل، وكانوا يعيشون في سعادة ويتجهون سريعاً نحو البحبوحة.
كان السوري والسورية يجلسون في بيوتهم مع أسرهم في كل مساء يتسامرون مع أسرهم ويشاهدون أو يستمعون إلى مقاطع موسيقيّة جميلة وأعمال فنيّة سورية رائعة وهم يفتخرون بما أنتجه لهم مبدعيهم من أبناء بلدهم. كانوا يجلسون في بيوتهم وهم آمنين على أنفسهم ومطمئنين على أطفالهم. كان من يريد أن يخرج إلى السينما أو المسرح أو يتسامر مع أصدقائه وزملائه في المطاعم والمقاهي والنوادي الليلية يخرج بدون خوف وبدون تردّد. هل تذكروا إخوتنا وأخواتنا في سوريا كيف كانت طبيعة حياتكم في بلدكم وحتّى عام 2011 وقبل أن تجرفكم رياح التغيير في طريقها نحو "المجهول"؟.... إنّها عظة لمن يريد أن يتّعظ.
رجائي الإستماع إلى هذا الكلام الواقعي والصريح
أنا لا أريد أن أمتدح لكم نظام بشّار الأسد فأنتم بكل تأكيد أدرى بأحوالكم، ولا أريد أن أصوّر لكم نظام بشّار الأسد على أنّه نظام وطنيّ ومتسامح، فأنتم بكل تأكيد أدرى بأحوال بلادكم من أي شخص آخر يتحدّث من موقع المتفرّج من خارج الحدود. الشئ الوحيد الذي قد أسمح لنفسي بأن أقوله لكم هنا وفي هذا الإطار هو أنّه مهما كان نظام بشّار الأسد في عيونكم ومدارككم ظالماً ومستهتراً بحرية المواطن في سوريا، فإن الشئ الذي أؤكّده هنا لكم هو أن ما عانيناه نحن في ليبيا لايمكن مقارنته على الإطلاق بمعاناتكم أنتم في سوريا. الطاغية القذّافي عندنا كان قد قتل الإبداع وقتل الحريات وقتل جميع أنواع التعبير... وقتل كل شئ في ليبيا. نظام الطاغية القذّافي حوّل ليبيا إلى سجن كبير وبزنزانة لاتقفل أبوابها في وجه التعذيب والإعدام ولو ليوم واحد في السنة طيلة أيّام السنة. مثل هذا الأمر لم يحدث في سوريا في عهد بشّار الأسد، ولا يمكن مقارنة مساوئ والده الذي كان بكل تأكيد أسوأ منه بكثير... لا يمكن مقارنة مساوئ حافظ الأسد مهما كبرت بمساوئ القذّافي في ليبيا، ومع هذا نحن ثرنا على نظام الطاغية القذّافي قبلكم وإنتصرنا عليه بمعونة الناتو في أقل من 6 أشهر لكنّنا وللأسف لم نحقّق ما كنّا نصبو إليه، بل على العكس نحن الآن نعاني من فساد وعنف وفوضى لم تشهدها جميع سنوات حكم الطاغية القذّافي لأكثر من أربعة عقود من الزمان.
وحتى لا أتمادى في سرد الوقائع التاريخية، ومن أجل التركيز على صلب الموضوع كي لا أثقل على القارئ؛ أود أن ألفت إهتمام كل إخوتنا وأخواتنا في سوريا إلى أنّهم بثورتهم على نظام الأسد كانوا قد دمّروا كل شئ في بلادهم، وشرّدوا أكثر من 6 مليون من أبناء وبنات شعبهم وهي أكبر نسبة تشرّد لأي شعب في العالم منذ ظهور الإنسان على وجه الأرض وحتى يومنا هذا. لقد تحوّل الشعب السوري كلّه إلى متشرّد، وبدأ العالم من حولكم يحتقركم ويستخفّ بكرامتكم لأنّكم في نظره مجرّد متسوّلين يطرقون أبواب الغير من أجل كسرة خبز أو ركن صغير قد يصلح لمأوى ولو ليلة واحدة. 
من مصر مروراً بلبنان، ومن تركيا إلى عمان، ترتسم خارطة الذل، حتى في أوكرانيا وفي بلغاريا دول الاضطهاد والعقد أصلا، اللاجئون السوريون يسطّرون فيها أحرفاً من ذل..يهانون أكثر من اللازم، فيصيح أحد الأطفال هنا في مخيم البؤس وسط "عرسال" اللبنانية:" ارمونا في البحر ياعالم".  






هذه يا سادتي ويا سيّداتي بعض المشاهد التي تظهر الحالة المزرية لإخوتنا وأخواتنا في سوريا وهم يهربون إلى أي مكان يبحثون فيه عن مأوى يلتجأون إليه... هل هذا هو ثمن الحريّة؟. سؤال جدير بالتفكير فيه، وجدير بالتوقّف حوله بهدف التأمّل والبحث عن البديل المدروس والمحسوب والمقدّر.
أنا لا أريد أن أكون سبباً للإحباط لأي منكم أخوتنا وأخواتنا في سوريا، لكنّني فقط أتألّم لحالكم وأتأسّف للمصير الذي بلغتموه بعد أربعة سنوات من التشرّد والذل والهوان من قبل كل من يحيط بكم بما في ذلك "إخوانكم العرب" الذين بكل تأكيد كانوا هم أوّل من ورّطكم في الثورة على نظام حكمكم وما إن تأكّدوا من تورّطكم إلّا وبدأوا يرسلون إليكم أولئك المجرمين من "تجّار الدين" وكأنّي بهم يريدوا أن "يفتحوا" سوريا من جديد لإدخالها ثانية في "ديار الإسلام". نعم يا أهلنا في سوريا كنتم من كنتم ( مع النظام أو ضدّه) إن أحوالكم وصلت إلى مستويات خطيرة وأخشى بأنّها ربّما بلغت مرحلة المحق والدمار بدون ظهور أي من بوادر الأمل ولو كانت في آخر النفق الطويل والطويل جدّاً.
لقد ترككم "إخوانكم" العرب وتخلّوا عنكم بعد أن ورّطوكم ثم أرسلوا لكم فرق القتل والتدمير ليعيثوا في أرضكم فساداً لم يشهد التاريخ مثيلاً له. لقد تخلّى عنكم الغرب أيضاً، وبقى حكّامهم  في آماكنهم متسمّرين يتفرّجون عنكم وأنتم تعانون وتهانون وتتذمّرون وتقتّلون ولا أحد يرأف بأحوالكم. لقد بقيتم لوحدكم في الميدان، وسوف لن يأتي أحد لإنقاذكم أو إعانتكم أو حتى لتخفيف العناء عنكم. لقد حان لكم الوقت لأن تعيدوا حساباتكم، وآن لكم بأن تراجعوا أنفسكم.... عليكم أن تتوقّفوا قليلاً وتعودوا إلى عقولكم لتفكّروا في أوضاعكم.

ثالوث الدمار
سوريا هي ربّما الدولة الوحيدة في العالم التي تشهد صراعاً بين ثلاثة قوى متصارعة مع بعضها. وضع بالفعل فريد من نوعه، ولا أعتقد بأن العالم كان قد شهد مثل وضع سوريا من قبل.
في كل المسابقات والمنافسات والحروب تجد طرفين متصارعين كل منهما يبحث عن الفوز، أمّا سوريا فوضعها من نوع خاص. ثلاثة قوى تتصارع كل مع الأخرى، وكلّها تدفع نحو تدمير سوريا وقتل وتشريد أهلها. إنّه بالفعل يعتبر ضرباً من ضروب الجنون.
فمن ناحية نجد النظام وقوّاته يحاربون من أجل البقاء، وعلى النظام أن يحارب كل من "الجيش الحرّ" وبقية القوى الوطنيّة، وعليه أيضاً أن يحارب "داعش" وبقيّة القوى الظلاميّة الداعمة لها. في المقابل نجد أن الجيش الحر يحارب قوّات النظام من ناحية ويتوجّب عليه أيضاً محاربة داعش ومن يدور في فلكها من تجّار الدين أو ما يطلق عليهم "إحتراماً" قوّات "الإسلام السياسي".
في الطرف الثالث بالطبع تقبع داعش وكل من يتعاضد معها من تجّار الدين مثل جبهة النصرة وبقية المسمّيات في قاطعها وهي تحارب قوّات النظام من جانب، وتقاتل الجيش الحر وتوابعه من الجانب الآخر... وفي نفس الوقت.
قتالاً ثالوثيّاً مثل هذا لايمكنه على الإطلاق أن يؤدّي إلى نتيجة ولا يمكن حسمه على الإطلاق. صراع مثل هذا ليس أمامه إلّا أن يستمر مدى الحياة، وبإستمراره سوف يحدث المزيد من الدمار والخراب وتشريد من يبقى على قيد الحياة.

مقترح لحل الأزمة السورية 
إنطلاقاً من التقديم السابق، وإحساساً بمعاناة أهلنا في سوريا، ووقوفاً مع أطفال سوريا الأبرياء الذين حرموا من كل شئ؛ فإنّني أتقدّم أنا بمشروع لحلحلة الأزمة السورية من جذورها، وهذا الحل سوف يكون عمليّاً ومنطقيّاً وواقعيّاً وبكل تأكيد سوف يكون مثمراً ومنقذاً ومخرجاً لما يحدث في سوريا من جنون وخبل وأوهام. نقاط الحل التي أطرحها هنا هي بسيطة ومتواضعة ومن إنسان بسيط ولا خبرة له بالسياسة، لكنّها صادقة ومخلصة وعادلة وجدية.... فهل من يبدئ أي إهتمام، وهل من له رغبة في الخروج من الطوفان  السوري المدمّر؟.
هذا الحل يتطلّب إحساساً بالمسئولية، ويحتاج إلى إمتلاك حقيقي لمشاعر إنسانية، ورغبة في التضحية من أجل الوطن، وتسامح في القلوب، ويحتاج إلى وجود عقول في الرؤوس، وآحاسيس ومشاعر في الأبدان، ويحتاج إلى رغبة في الخروج من التيه والضياع.
خطّة الحل تتكون من 10 نقاط، وهي كلّها قابلة للتنفيذ؛ وإذا نفّذت فإن نتيجتها ستكون مضمونة 100%، ولا تحتاج إلى تدخّل دولي أو تدويل للقضيّة ولا داعي لإقحام الأمم المتحدة أو دول الجوار أو أي طرف غير السوريّين والسوريّات في هذه الخطّة. خطّة الحل هذه قصد بها بأن تكون سورية 100%، وأنا بإعتباري غير سوري أعلن عن خروجي من الخطّة وذلك بإهدائها لأهل سوريا وبدون مقابل.
  1. النظام السوري يعلن العفو الشامل على كل السوريين والسوريات مهما كانت ممارساتهم خلال فترة الحرب بكاملها، ويستثنى من ذلك العفو أي أجنبي جاء إلى سوريا ليقاتل على أراضيها مهما كانت الجهة التي أرسلته ومهما كانت الجهة التي إستضافته. يطلب من كل الغير سوريين مغادرة الأراضي السورية خلال أسبوع وإلّا فعلى كل من يبقى إنتظار المحق المحقق.
  2. يقيم النظام السوري مناطق آمنة (ربّما حول العاصمة دمشق) لإستقبال جميع اللاجئين السوريين أينما تواجدوا بحيث يوفّر لهم النظام الحماية والأمن والمأوى بكل لوازمه بما في ذلك خدمات العلاج والتعليم.
  3. يعلن النظام السوري بكل وضوح على أنّه مستعد للقبول بإجراء إنتخابات حرّة ونزيهة تشرف عليها الأمم المتحدة ومراقبين دوليين يتم من خلالها إنتخاب الرئيس لفترة إنتقالية مدتها سنتين غير قابلتين للتمديد. يقوم الرئيس المنتخب بتعيين رئيساً لحكومة إنقاذ وطني تكون مهمتها تقديم الخدمات للناس والتجهيز للمرحلة الثابتة بكل لوازمها.
  4. يحق للرئيس بشّار الأسد الترشّح لهذه الإنتخابات كمواطن سوري ويحق لأي مواطن سوري الترشّح لمنصب الرئيس وفق الشروط التي تتحدد سلفاً بحيث تكون في الوطنية والمهنية والخبرة ليس إلّا.
  5. يعلن الوفاق الكامل بين الجيش السوري (جيش النظام) والجيش الحر بحيث يشكّل الجيشان جبهة واحدة وبقيادة واحدة يتم الإتفاق عليها على أسس المهنية والمقدرة والوطنية فقط.
  6. تقوم هذه الجبهة الموحّدة بمحاربة داعش وكل الجماعات الدينية حتى قهرها أوفرض شروط التسليم عليها. 
  7. يتم إعتماد "النظام العلماني" للدولة السورية، وهو نظام وطني لكل السوريين والسوريات على حد سواء بكل فئاتهم وطوائفهم ومعتقداتهم على أساس "الوطنيّة" والإنتماء للدولة السورية فقط.
  8. حل جميع الأحزاب بما فيها حزب البعث خلال الفترة الإنتقالية، وتلغى جميع الإمتيازات التي يتمتّع بها أعضاء حزب البعث والمنتمين إليه.
  9. يعاد تشكيل الجيش السوري بعد تحرير سوريا من الغرباء بحيث يكون الجيش سوريّاً وطنيّاً لا يدين بالولاء لغير سوريا.
  10. بمجرّد تحرير سوريا من كل القوى الأجنبية، وبمجرّد إعادة توطين المواطنين في مناطقهم وتوفير الأمن لهم، تبدأ إنتخابات رئيس الدولة للفترة الإنتقاليّة كما أشير إليه أعلاه، ويتم بعيد ذلك إنتخاب برلمان مؤقّت مدة صلاحيّته سنتين فقط.
يجب التنبيه هنا بأنّ الضامن الوحيد لهذا الإتفاق هو الصدق والإخلاص للوطن فضمائركم وحبّكم لوطنكم ورعبتكم الصادقة في خدمة سوريا سوف تكون هي الضامن لهذا الإتفاق من خلال الإلتزام الذاتي والصدق مع النفس. إنّ المؤمّن لههذا الإتفاق سزف يكون بمثابة وثيقة مكتوبة وموقّّعة من طرف الرئيس الأسد من ناحية (عن الحكومة)، ورئيس الإئتلاف السوري المعارض (عن الجيش الحر). سوف يكون المراقب الوحيد لحسن النوايا والصدق في القصد هو "الرب" و"الوطن" و"الضمير".... فكونو على مستوى المسئوليّة، وتخلّوا يرحمكم الله عن العنجهيّة والمواقف المتصلّبة، فأنتم جربتم المسير في ذلك الطريق وبرهنتم على أنّكم "كلّكم" كنتم قد أخطأتم.


ليست هناك تعليقات: