2014/09/26

متى نبدأ في التفكير مثلهم ؟


حضرت هذا اليوم وبالأمس مؤتمراً طبيّاً في جامعة أكسفورد ببريطانيا وقد هالني ما رأيت، فحضرت ليبيا أما عيني وبرز أمامي سؤال لم يشاء أن يبرح خيالي طيلة يومي المؤتمر.... متى سوف نصبح مثلهم؟.

هذا المؤتمر خصوصي لكل المنتمين لشبكة المعالجين ب"البوتيولاينم" في عموم بريطانيا، وحضره هذه المرّة 80 مشاركاً من مجموع الأعضاء الكلّي البالغ 86 عضو وعضوة.

عندما تفحصّت وجوه الحاضرين وتحدّثت إلى الكثير منهم، وجدت من بينهم المسلم والمسيحي واليهودي والهندوسي والبوذي والغير مؤمن بأي دين. وجدت بينهم العربي والإنجليزي والهندي والباكستاني والأسترالي والأمريكي والياباني والكوري. وجدت بينهم الأبيض والأشقر والأسمر والقمحي والبنّي. وجدت بينهم الطويل والقصير، والثخين والرفيع. وجدت بينهم المتعمّق في علوم الأعصاب، وذلك الذي ما لبث أن بدأ المشوار. 
حضر هذا المؤتمر - وككل سنة - طالب في كليّة الطب قام بعمل بحث رائع عرضه على الحاضرين وخاطبهم وكأنّهم زملاء دراسة وهو يطرح عليهم أسئلة تختبر قدراتهم وخبراتهم كل في عمق مجال تخصّصه، ورأيت أكثرهم علماً وخبرة (من هو في مرتية بروفيسّور) وهو يجتهد أمام الجميع ليجيب على أسئلة الطالب النبه.
كان عدد الحاضرين 80 منهم 38 إخصائيّة والبقية من الرجال، وكان كل من الحاضرين يعامل الآخر بإحترام وتقدير ورغبة في الإستفادة من علمه وخبرته بغض النظر عن جنسه أو عمره أو منشأه أو عرقه.

العلم والخبرة والرغبة في الإبتكار والإبداع من أجل التحديث ومسابقة الزمن؛ كانت تلك هي العوامل التي إجتمع عليها الجميع. كان السباق حول تقديم الأفضل هو حافز الجميع، والتحاور من أجل تقريب وجهات النظر هو سيّد المواقف كلّّها.

قلت في نفسي وأنا أشاهد كل ذلك وغيره.... أين غاب الدين وأين غابت اللغة وأين غاب الإنتماء وأين غابت السنحات والإنتماءات التي قد تميّز هذا عن ذاك أو هذه عن ذلك؟. 
لم يتحدّث أحد عن الدين أو العقيدة أو الإنتماء أو العرق أو العائلة أو القبيلة... بل كانت كل تلك "الصفات" تعيش في أعماق أصحابها لكنّها أبداً لم تطرح للمزايدة أو المعايرة أو المتاجرة أو .... المفاضلة. 
إجتمع الناس هنا في أعرق جامعات بريطانيا حول ثوابت العلم ونواتج التجربة وخلاصات المعتمد منها علميّاً وفق الشواهد والتوثيقات الفكرية والبحثية بحيث تم إقناع كل من حاول المجادلة ببرهان مستنده الموثّق مما نشر في أعرق الدوريات الطبيّة المتخصّصة، فلم يترك ذلك أي مجال للتكذيب أو التشكيك أو إستعراض العضلات. إحتكم الجميع إلى نتائج الأبحاث التي لا تقبل الجدال، فكانت النتيجة إعتماد المفاهيم وتثبيتها ممّا مهّد الطريق لكل بادئ في سلّم التخصّص كي يمشي عليها بكل ثبات، ويسلكها من أجل فتح باب جديد من أبواب الحياة التي يصنعها مثل هؤلاء البشر بعلمهم وبخلاصات عقولهم مستوحين نتائج أعمالهم من خلال الفكرة فالنظريّة فالتجربة فالمناقشة المستفيضة.... فالبرهان الذي لا تقبل الكثير من الجدل ولا يحتمل المزيد من الإختلاف. 
قلت في نفسي في نهاية هذا المؤتمر الناجح: بمثل هذه الأنماط من البشر، وبهذا النوع من التفكير نستطيع بناء ليبيا لو وجد بيننا من يفكّر هكذا.

ليست هناك تعليقات: