2014/06/07

"عمليّة الكرامة" هي أملنا الوحيد لبناء دولة عصريّة



هناك البعض - وهم أقليّة - من أبناء وبنات الشعب الليبي ممّن يظنّون أو يحسّون بأنّ "عمليّة الكرامة" ما هي إلاّ وسيلة أو محاولة من قبل بعض المتقاعدين من ضبّاط الجيش الليبي المحبطين ممن يسعون وبأية وسيلة لإعادة سيطرتهم على القرار السياسي في ليبيا ربّما من خلال تشبّثهم بالماضي أو بسبب تأثّرهم بما حدث في مصر، وأنا أقدّر مخاوف هؤلاء وأكن لهم كامل الإحترام والتقدير وقد التمس لهم عذراً فيما يرمون إليه نتيجة لتبعثر أوراق السياسة في بلادنا في الوقت الراهن.

 الشئ الذي أريد التأكيد عليه من خلال فهمي المتواضع للأحداث هو أن "عمليّة الكرامة" لم ترجعنا إلى الوراء ولم تشدّنا إلى الخلف ولم يكن هدفها على الإطلاق إشعال نار الفتنة في ليبيا. إن الذي يريد أن يشدّنا إلى الوراء هم تحديداً من قامت "عمليّة الكرامة" بالرد عليهم، ومن يريدون إشعال نار الفتنة في بلادنا هم تحديداً من قامت عمليّة الكرامة بالوقوف في وسط مسالكهم الشائكة لإيقاف هذا العبث الذي يريدون فرضه على أهلنا وعلى بلدنا. 

 الأوضاع الحاليّة في ليبيا هي ليست كما ينبغي، والناس في بلادنا وللأسف أصابهم الجشع والطمع وحب النفوذ، وبكل تأكيد فإنّه يتواجد بيننا من يريد فرض أجنداته الفكريّة وطريقة فهمه للدين على بقية الناس. هذا الرهط من البشر هم من كان لاجئاً في ظلمات مسالك الصومال المغبرة الشائكة أو في غياهب وأصقاع أفغانستان الوعرة من تورا بورا وقندهار وما جاورهما، أو ربّما كان متعايشاً في أوروبا على المعونات الإجتماعية أو ربما كان حاضياً بكرامات السعودية ودول الخليج العربيّة. هؤلاء البشر أظن بأن أهم ما يعيبهم كليبيّين هو أنّهم عاشوا في بلاد أخرى وتعلّموا مفاهيماً "دينيّة" أخرى في البلاد التي عاشوا فيها قبل عودتهم إلى ليبيا بعيد أو أثناء ثورة 17 فبراير وهؤلاء حينما عادوا إلى ليبيا كان لديهم هدفاً واحداً وهو " أسلمة الدولة الليبيّة" متجاهلين أو متغافلين أو ناكرين بأن هذه الدولة هي مسلمة وبأن هذا الشعب هو أسلم وأطهر وأنقى منهم ومن ثقافتهم المتشدّدة الغائرة في الزمن القديم الذي لا تتواءم معطياته ومعاييره مع العصر الذي نعيش فيه؛ فالحياة لا يمكنها إلاّ بأن تسير إلى الأمام وساعة الزمن لا يمكن إرجاع عقاربها إلى الوراء وعلينا بأن نكون واقعيّين. 

أنا من وجهة نظري أعتبر بأن "عملية الكرامة" هي المخرج الوحيد من هذا التيه الذي بدأ يعايشه شعبنا، وعلينا بأن نقف جميعاً مع وقفة الكرامة حتى نمكّن جيشنا من فرض سلطته على حدود الدولة الليبيّة بما يمكّننا كشعب ليبي من تأهيل شرطة محترفة لتقوم بفرض أمن المواطن في شوارعه وأزقّته وفي حجرات نومه. 
لا أعتقد بأنّه يوجد لدينا أي خيار غير ذلك في الوقت الحالي، وعلينا بأن نقف جماعة وبكل قوّة مع "عمليّة الكرامة" وبأن لا نقبل شخصنتها في اللواء خليفة حفتر أو في أيّ من ضبّاط الجيش الآخرين. الجيش وفي أي مكان من العالم تكون له قيادة موحّدة منضبطة صارمة وقويّة، ولا يمكنه مطلقاً التحرّك بدونها أو خروجاً على آوامرها، وإذا كان اللواء حفتر يرى في نفسه الكفاءة للقيام بهذا الدور المرحلي حتى يمكنه بهذه الوسيلة أو الأليّة بناء جيشاً وطنيّاً له إعتباره فلا خلاف على ذلك من وجهة نظري. 
لو أن الشهيد اللواء عبد الفتّاح يونس مازال على قيد الحياة لكان ربما قام بهذا الدور، ولكنّا أسّسنا جيشاً ونظاماً وأمناً ودولة منذ أكثر من سنتين.
 لا يمكن يا إخوتي ويا أخواتي لساعة الزمن بأن تتحرّك عقاربها إلى الوراء، ولابدّ للحياة من أن تسير إلى الأمام... والمصالح لا يمكنها أن تتحقّق بالآماني ولا بالإبتهالات أو بالدعاء، وإنّما تؤخذ الدنيا غلابا. فعلينا بأن نتحرّك معاً لبناء دولتنا وبأن نتجاهل أولئك الذين يولولون ويصيحون ويتمادون في نسج السيناريوهات المفبركة كما كان يفعل إخوان مصر بالأمس حينما خرج الفريق السيسي عليهم فأجهز عليهم وأجهض لهم كل أحلامهم وهي ما زالت في مهدها؛ فعمليّة الكرامة هي محاولة تصحيحيّة تهدف إلى إعادة ليبيا لأهلها بعد أن إختطفها المزايدون وتجّار الدين.
هناك بكل تأكيد من لا يؤمن بالدولة ولا يعترف بحدودها ومثل ذلك النوع من البشر هم من يسوّق إلى تأسيس ما يسمّى بالأمة الإسلاميّة، والأمّة الإسلاميّة هي حسب تعريفهم عبارة عن كيان مائع لا توجد له دولة ولا يعترف بأية حدود، وعلى أن الأرض في فهمهم هي عبارة عن إرث من الرب للمسلمين كما يدّعون ومن حقّهم (المسلمين) بأن يعيشوا أينما شاءوا وكيفما شاءوا ومتى شاءوا. 


عمليّة الكرامة تسعى لإعادة السيادة والكرامة للدولة الليبيّة التي هي دولتنا بحدودها وبكيانها وبإعتراف دول العالم بها. علينا بأن نفكّر ونتدبّر ونعيش بمعطيات زماننا، فالعصر الذي نعيش فيه هو عصر العلم والمعرفة وتغليب العقل على العواطف الجيّاشة التي تجنح إلى تغليب صور الخيال على أحداث الواقع. 
إن حياتنا في واقعها وفي جوهرها هي عبارة عن صراع بين عالم إفتراضي ينسجه خيال تجّار الدين وبائعوا صكوك الغفران في العصر الحديث، وعالم واقعي ملموس يعيشه البشر من حولنا ونستخدم نحن كل مفرزاته من تقنية ومعلومة وإتصالات وطب وعلاج ومقتنيات نهديها لأطفالنا كي يستخدموها ويمتّعوا أنفسهم وعقولهم بها. 

حب الوطن يا أيّها السادة والسيّدات "من الإيمان"... تلك الثنائيّة المتناغمة التي كثيراً ما رددناها وشدونا بها لإيماننا بأنّها ثنائية متلازمة ومتلاصقة لا يمكنها أبداً أن تنفرط، وهي بمثابة إعتقاد يتجذّر في كيان الإنسان ووجوده يعيش معه ويلازمه طالما بقى عقله في مخّه وطالما عاش جسده بروحه. عبارة "حب الوطن من الإيمان" التي كثيراً ما نردّدها في مناسباتنا الوطنية علينا بأن نحوّلها إلى واقع ملموس ومدروك ومفعول به بعد أن نفعّله على أرضية واقع حياتنا.
كيف يمكننا توصيل هذه الرسالة إلى كل أهلنا في ليبيا.؟. كيف يمكن زرع هذه القيم اليقينيّة في عقول وقلوب الشباب؟. كيف يمكننا إقناع من يجرون وراء سراب الجاه والسلطان بأن الجاه والسلطان يأتيان فقط من خلال نافذة حب الوطن، وبأنّ ذلك هو السلطان والجاه الوحيد الذي يبقى ويدوم؟. 
نحن نحتاج إلى مدارس تتخصّص في حب الوطن تكون بجانب كل مسجد وجامع، أو بداخل كل مسجد وجامع حتى يندمج حبّين شريفين ( حب الله وحب الوطن) في قلب واحد..... هو قلب كل مواطن وكل مواطنة.
حب الله وحب الوطن هما بمثابة الجسد والروح في كيان واحد ولا يفصل بينهما غير متطرّف في الدين أو الوطنيّة، وحياتنا هي حياة وسطيّة كما أرادها الله لنا.... فلما نسمح بالتطرّف كي يتسرّب إلى يقيننا؟.

وختاماً... يا أيّها الأحبّة يا أهل ليبيا الأعزّاء... لم يعد الصمت مخرجاً ولا مهرباً ولا مستحبّاً في ظروف أنتم لوحدكم من يعاني من أثرها المباشر ومن كل تبعاتها. 
لقد حان الوقت لأن يتعاون كل ليبي شريف مع الليبي الشريف الآخر ومع الليبيّة الشريفة لصون الوطن وتحقيق أمنه. علينا بأن ننتقل إلى الأمام، وعلينا بأن نمتلك ولو القدر الأدنى من الشجاعة، فوالله إن القتلة والمشغابين ومن يقف وراءهم سوف يتحوّلون إلى خراف بمجرّد إحساسهم بأن هناك وبجدية من يتتبّعهم أو من يلاحقهم أو من يعد العدة للقضاء عليهم ولوكان ذلك بمحقهم بما يملكون وأين يقيمون. 
إنّه الوطن يا سادة وهو البيت الذي هو الملاذ الوحيد لكم في ليبيانا الحبيبة، وهذا البيت أنتم من يجب أن يحميه وعليكم أن تفكّروا فرادى وجماعة في الكيقيّة والأليّة والوسيلة لتحقيق ذلك. 
المسئول قد يجد مكاناً آخر يأويه أو مهرباً يلتجئ إليه، والمجرم هو أيضاً قد يجد مهرباً أو ملجأ يتخفّي فيه وقد في خارج البلاد يجد من يحميه ويطعمه ويسقيه؛ لكنّ المواطن الغلبان ليس له إلا الوطن وأمن الوطن حتى يحسّ بكرامته ويشعر بأمنه فيه.

أمن البلد يا سادة ويا سيّدات هو مسئوليّة فرديّة بقدر ما هو مسئوليّة جماعيّة، وإن لم نتعاون جميعاً على مكافحة المجرمين فإنّهم سوف يتقوّون علينا. شجاعة المجرم تكتسب من جبن الضحيّة، فكونوا شجعاناً يجبن جلاّديكم ويهربون، فإنّهم والله سوف لن يقووا على إغتصاب حقّ من يقدر على الدفاع عنه ولو إستماتوا في ذلك.

ليست هناك تعليقات: