2013/10/22

23 أكتوبر.... هل نبتهج أم نكتئب ؟

لكل إنسان حلم يترقّب من خلاله بشغف ذلك اليوم الذي يتحقّق فيه حلمه، وحينما يتحوّل ذلك الحلم إلى حقيقة يبتهج ذلك الإنسان ويحسّ وكأنّ أبواب السماء قد إنفطرت جميعها كي تستوعبه بين أحضانها وتحتفي به بين ثناياها وأركانها.  


كنت أستمع الليلة الماضية إلى إحدى القنوات الليبيّة وقد أهدت لمشاهديها هذه الأغنية فشدّتني إليها كونها كانت كثيراً ما تذاع على جميع وسائل الإعلام المتوفّرة بعد نجاح ثورة 17 فبراير 2011. إستمعت إلى الأغنية بالكثير من الحنين فجيّشت هذه الأغنية بكلماتها عواطفي التي ظلّت مكبوته طيلة السنتين الماضيتين ومنذ ذلك اليوم الذي خرج علينا فيه المستشار مصطفى عبد الجليل وهو يعلن "تحرير ليبيا" في يوم 23 أكتوبر عام 2011:

وخرجت بعد ذلك جماهير الشعب الليبي وهي تتغنّى بالحريّة وتحسّ بالتحرّر، وعمّت الفرحة في مكان في ليبيا الحبيبة:

شعر الليبيّون وقتها بأن زمن الظلم قد إنتهى وبأن زمن البناء قد بدأ، وبالفعل أصبح الكثير من الليبيّين والليبيّات يحلم بليبيا دولة عصريّة حديثة مدنيّة ومتحضّرة.
خرج شباب ليبيا إلى الشوارع يحاولون البرهنة على حبّهم لبلدهم وذلك بإقامة حملات النظافة في شوارع المدن الليبيّة، وكذلك التنادي لإنشاء أسس الديموقراطيّة في بلدنا من خلال تنظيمات المجتمع المدن:

واصل الليبيّون والليبيّات إحتفالاتهم بالحريّة وبدأت الأحلام تكبر وتترعرع حتى بلغت مداها يوم 07 يوليو عام 2012 حينما خرجت كل جماهير الشعب الليبي في إنتفاضة كبرى ثانية لكنّها هذه المرّة كانت إنتفاضة سلميّة لم تجد أمامها من يعكّر صفوها ونقاءها. كانت هذه هي إنتفاضة يوم الإنتخاب العظيم، حيث برهن الليبيّون والليبيّات على أنّهم جديرين بالحريّة وقادرين بكل كفاءة على ممارسة الديموقراطيّة مثلهم في ذلك مثل بقيّة شعوب العالم المتحضّرة والتي سبقتهم في هذا المجال:

أعنت نتائج الإنتخابات وتم تشكيل المؤتمر الوطني ثم أعلنت الحكومة، وبدأ الليبيّون والليبيّات يستنشقون هواء الحريّة ويشرّبون من رحيق الديموقراطيّة حتى أحسّ الشرفاء من أبناء وبنات الوطن بأنّهم ولأوّل مرّة إمتلكوا ليبيا وأصبحوا سادة فوق ترابها.
بدأ الليبيّون والليبيات يحلمون بليبيا بلد الآمان وبلد الخيرات وبلد النعيم وبلد الخدمات وبلد النماء والتقدّم، لكنّهم سرعان ما بدأوا يتكشّفون عن مظاهر وظواهر لم يألفوها يكونوا يتوقّعونها ولم تختطر ببال أي منهم... نحن هنا نتحدّث عن الليبيّين الطيّبين الذين كانوا يروا ليبيا وكانوا يروا مستقبلهم من خلالها. بدأت تخرج على الليبيّين ظواهر ومظاهر غريبة وشاذة أتى بها غرباء إلى الوطن ممّن كانوا يعيشون في بلاد أخرى تعلّموا منا ثقافات إستهجنها أهل ليبيا الطيّبين... عاد أصحاب اللحي الطويلة الشاعثة والسراويل المشمّرة وأصحاب اللطع الحمراء على جبهة الرأس وأخذوا يسيطرون على مفاصل الدولة تدريجيّاً مستغلّين إنشغال الليبيّين والليبيّات ببناء الدولة العصريّة. خرج "أنصار الشريعة" بسلاحهم في مدينة بنغازي وهم يعلنون بكل تبجّح بأن ليبيا هي ملكهم وهي يجب أن تكون تحت سيطرتهم بحيث ينشئون فيها حلمهم الذي كثيراً ما حلموا به... "الإمارة الإسلاميّة":

وبدأت بعدها التفجيرات في المنطقة الشرقيّة (بنغازي على الخصوص)، وبدأ مسلسل مهاجمة السفارات والقنصليّات الأحنبيّة، وهوجمت مكاتب الصليب والهلال الأحمر، وبدأ التعصّب الديني في ليبيا ولأوّل مرّة يفرض وجوده في الشارع، فخرجت جماعات متشدّدة في شوارع طرابلس بإسم "جماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر":

وأخذ بعد ذلك الملتحون يفرضون وجودهم في كل شوارع وميادين ليبيا تحت قيادة وبإمرة الشيخ الصادق الغرياني الذي نصّبوه "مفتياً للديار الليبيّة" وأخذ المفتي يصدر الفتاوي التي تصب كلّها في بوتقة واحدة... وهي فرض الفكر السلفي الوهابي المتشدّد في ليبيا. بدأ تكفير الشيعة وبدأ التحذير ضد "أعداء الإسلام" من الصليبيّين (الكفّار) وتحوّلت ليبيا في غضون أشهر إلى ساحة للتشدّد الديني الذي لا يطيق أحداً ليعيش بين أحضانه. أخذ الشيخ الصادق الغرياني يتدخّل في كل صغيرة وكبيرة في المجتمع الليبي، وبدأ يحاول فرض فتاويه على الدولة ومؤسّساتها:

أخذ بعد ذلك السلفيّون يهاجمون محلّات الزينة في طرابلس وبنغازي، وبدأوا في نبش القبور وتدمير الأضرحة لأناس عرف عنهم الورع والتقوى وأحبّهم الليبيّون لزهدهم وعملهم الصالح في سبيل الله فأحدثت عمليّات مهاجمة أضرحتهم وتدميرها الكثير من الغضب والإمتعاض بين عموم الليبيّين والليبيّات:

بدأ الليبيّون والليبيّات يتحسّسون من هؤلاء البشر الذين أتوا بثقافة غريبة على المجتمع الليبي أساسها التشدّد وفرض أرائهم على الناس بقوّة السلاح أو بالعنف أو بالتطرّف:

بعد ذلك بدأت التفجيرات تهز مدينة بنغازي بالذات، وبدأ الإصطياد الواضح لضبّاط الجيش والشرطة وخبراء أجهزة لأمن من قبل مجهولين لم تتمكّن الحكومة من معرفة كنههم، لكن السواد الأعظم من الليبيّين يعتقدون بأن وراء هذه الإغتيالات تقف الجماعات الدينيّة المتشدّدة التي كانت قد عانت منهم الكثير أثناء حكم الطاغية القذّافي فشرعت هذه الجماعات تأخذ ثأرها الآن من كل ضابط كان في الجيش في عهد الطاغية القذّافي ولم يستثنوا من ذلك حتّى أولئك الضبّاط الذين كانت لهم مساهمات متميّزة وتضحيات في سبيل إنجاح ثورة 17 فبراير:

وبدأت الميليشيات المسلّحة بمباركة المفتي الشيخ الصادق الغرياني وكذلك قادة كبار من التنظيمات الدينيّة المتشدّدة بمهاجمة المؤتمر الوطني وتهديد الأعضاء المنتخبين من قبل الشعب متجاهلين حصانة هؤلاء البرلمانيّة التي توفّرها كل دول العالم لأعضاء برلماناتها، وكذلك مهاجمة وزارات الدولة ومرافقها الحيويّة: مهاجمة وزارة العدل
وبدأ لمسلّحون يفرضون بقوّة السلاح سن القوانين على أعضاء البرلمان: فرض قانون العزل السياسي

وحينما كثرت الإغتيالات حتى أصبحت شبه عمل يومي وخاصّة في مدينة بنغازي أزداد تضايق الأهالي من هذه الإغتيالات فخرجوا إلى الشوارع ليعبّروا عن غضبهم وإمتعاضهم من هذه الأعمال الإجراميّة:
بنغازي ترفض الميليشيات ، والمواطنون يرفضون الميليشيات في طرابلس أيضاً: طرابلس ترفض الميليشيات

غير أن الميلشيات المسلّحة واصلت تحدّيها لمشاعر المواطنين، بل إنّها قامت بمهاجمة وزارات للدولة والمؤتمر الوطني، وقامت الميليشيات كذلك بإختطاف رئيس الوزراء  وتهديده: إختطاف السيّد على زيدان

وقام المواطنون على إثر ذلك بالهجوم على قادة الميليشيات المسلّحة التي بدأت تخيف الناس وتهدّد أمنهم في بيوتهم:

من كل هذا وغيره كثيراً جدّاً نلاحظ بأنّ العامين الماضيين لم يكونا في مصلحة بناء الدولة، ولم تحدث خلالهما إنجازات تذكر لصالح الشعب الليبي. بل إن الجرائم أصبحت تحدث في ليبيا بشكل يومي وفي أغلب مناطق البلاد وهي كلّها تتم تحت تهديد السلاح. 
بدأ الليبيّون والليبيّات يتذمّرون من غياب الأمن وغياب الخدمات وكثرة السرقة للمال العام وضعف الحكومة وتنازع أعضاء البرلمان فيما بينهم ممّا جعل الإحساس بالتغيير في ليبيا ضئيلاً جدّاً بل إن الكثير من الليبيّين والليبيّات أصبحوا الآن يقارنون الوضع قبل وبعد قيام ثورة 17 فبراير متحسّرين على غياب الأمن والأمان الذي كان يتميّز به نظام الطاغية معمّر القذّافي.

هل يخرج الليبيّون والليبيّات للإحتفال بالعيد الثاني لإعلان التحرير؟
لا أدري، لكنّني أظن بأن أغلب الليبيّين والليبيّات هم مستاءون من الوضع الراهن وخاصّة غياب الأمن وتغوّل الميليشيات المسلّحة وتدخّل المتشدّدون في الدين في خصوصيّات الناس وفي بيوتهم ممّا يعتبره أغلب الليبيّون والليبيّات تدخّلاً في شئونهم الخاصّة وتسلّطاً على الحريّة الشخصيّة من قبل متشدّدين يحملون في رؤوسهم أفكاراً غريبة على الثقافة الليبيّة وتعتبر مستهجنة من قبل أغلب أبناء وبنات الشعب الليبي.

وختاماً.. هذا بعض من مشاعري تجاه الإحتفال بعيد "التحرير" ليوم 23 أكتوبر 2013:

هل نبتهج... أم نحزن ؟

سـوف نسكـب دموع مآقينا
وسـوف نحزن لظلمة روابينا
وسـوف نبكي قتلى آهالينا
وسوف نتذكّر ثكلانا وبواكينا
وقـد نتفقّد أمجادنا وماضينا
وقد نستاء ممّا سوف يأتينا
وقـد نستكين ونـرفـع أيادينا
وقد ....
يـمـوت عشق الحـريـّة فيـنا
وقد....
بالظلم نقـبل فيفرض عليـنا
وقد....
يحكمـنا طـغاة ومستكبرين
فهل يا سـادتي وسيّداتي
نقدر على هزيـمة مترفينا
وهـل مـن جـديـد بوسـعنا
تأكيد النصر علـى جـلّادينا

ربّنا يحمي ليبيا ويفسح المجال أمام متعلّميها ومثقّفيها ليبنوا كيانها ويحافظوا على مجدها....

هناك تعليق واحد:

Unknown يقول...

لي شاة سمينة حلوب رضعت من حليبها في طفولتي وكبري انا واخوتي فكانت مثل ام تحتو علينا احببناها , ولكن نهبها ذئب في غفلة وصار يجرجرها مسافات ومسافات ورغم تجمع اخوتي معي الا ان الخوف من الذئب منعهم من مطاردته , عشنا حرمانها وحرمان خيراتها , واخيرا قررنا افتكاكها , وساعدنا بعض المارة وبعض الجيران , ربما لاشفاقهم علينا او لطمعهم في حليبها , المهم اننا استرجعناها من الذئب وقتلناه , واذا بالذئب قد خلف جراء منتشرة هنا وهناك الى جانب بعض من ساعدونا في استرجاعها يتجاذبونها وكل يسعى لامتلاكها ,كنا نعاني ذئبا فصرنا نعاني ذئابا وطامعين , فمن اين ياتي الفرع بعودة شلتي . وهنا اتذكر قصة المثل الليبي جاء رجل لصاحب الغنم وقال نهب الذئب من غنمك شاة وكاد يقتلها فرح صاحب الغنم وقال: اين هي , قال الرجل : اكلتها انا .. فرد صاحب الغنم : مالفرق بينك وبين الذئب