2012/07/15

ما بعد الإنتخابات.... النظر إلى الأمام

 النجاح ليس بالضرورة يتحقّق بتطبيق أفكار الآخرين وإنّما بالإستفادة منها والإضافة إليها.

أظهرت الإنتخابات الليبيّة الكثير من الإيجابيّات التي يتمتّع بها الشعب الليبي الطيّب والتي ظلّت مخفيّة على العيان حيث كانت بلادنا تشهد بروز كل ما هو تافه ومتخلّف وتمكينه من الظهورعلى السطح. الشعب الليبي الذي إستطاع بصبره وإصراره إسقاط نظريّة القذّافي وإفشال مؤتمراته الشعبيّة هو نفسه الشعب الذي برهن على جديّته ومصداقيّته حين شارك بكل إيجابيّة في إنتخابات المؤتمر الوطني، وسوف يبرهن ه1ا الشعب بإذن الله على رضائه بنتائجها حين تعلن في صورتها النهائيّة.

هناك الكثير من النقاط الإيجابيّة التي يمكن إستخلاصها في عجالة من هذه الإنتخابات منها:
النقطة الأولى تمثّلت في خروج الليبيّين والليبيّات بكل مجاميعهم وبكل طوائفهم وبكل عرقيّاتهم وبكل إنتماءاتهم الدينيّة للمشاركة الإيجابيّة في أوّل إنتخابات ديموقراطيّة حرة تشهدها بلادنا منذ إنشائها. نتيجة لتلك الملحمة الوطنية الرائعة إنزوى في لمحة بصر الإنفصاليّون، والسلفيّون، وأزلام الطاغية القذّافي بعد أن حاولوا إيقاف قطار التغيير لكن هذا القطار برهن على أنّه كان أسرع مما توقّعوا، وكان يسير على سكّة ثابتة ومتينة مدّها ثوارليبيا وأهلها الطيّبون في جميع ربوع بلادنا الحبيبة. إنزوى المعارضون لإنتخابات وراء جموع الليبيّين والليبيّات الذين تحدّوا كل الصعاب فكان الإقبال على هذه الإنتخابات، وكان المسلك، وكان الإسلوب حضاري ومتميّز. كانت المشاركة في الإنتخابات كبيرة وجدّية، وكان التنظيم بديع، وكان تعاون الليبيّين مدرسة لمن يريد أن يتعلّم.



النقطة الثانية التي أفرزتها هذه الإنتخابات كانت تعكس ردة فعل قويّة لمنهج التشنّج ولغة الإرتجال؛ فقد خرج ـ وكما نعرف ـ الدكتور"علي الصلاّبي" منذ بضعة أشهر وهو يسب الدكتور "محمود جبريل" ويصفه بأقبح وأحطّ الأوصاف مدّعياً بأن الدكتور جبريل لا يمثّل الليبيّين ولا يعبّر عنهم بأي حال من الأحوال. أبناء وبنات الشعب الليبي حين سنحت لهم الفرصة قالوها عالية ومدويّة للدكتور الصلاّبي ومن هم على شاكلته بأن الدكتور محمود جبريل يمثّل طموحاتهم وآمالهم في بناء ليبيا الدولة العصريّة المتقدّمة التي سوف لن يحكمها أصحاب اللّحي الشاعثة واللطع الحمراء والسراويل المشمّرة، بل سوف يحكمها العلماء والمثقّفين من أهلها رجالاً ونساء على حدّ سواء.
النقطة الثالثة الإيجابيّة التي أفرزتها الإنتخابات الليبيّة تمثّلت في خروج المرأة الليبيّة ـ والفتاة بوجه خاص ـ للدفاع عن حقوقها كإمرأة في بلد بدأ يستيّد فيه الرجال ويحاولون التغوّل عليها بإسم الدين فكانت مشاركة المرأة الليبية في هذه الإنتخابات كبيرة وفاعلة وإيجابيّة.

النقطة الرابعة قالها كل الليبيّون والليبيّات لمن يهمهم الأمر بأن ليبيا هي بلد إسلامي لكنّها لا يوجد فيها مكاناً للمتشدّدين وأصحاب العقول المتكلّسة الذين يعملون على إستيراد أفكار التشدّد إلى بلادنا من بلاد التخلّف مثل السعودية وأفغانستان والصومال وحتى من العراق. الليبيّون برهنوا على أنهم من أتباع الإسلام الوسطى المتواضع الذي يتيح الفرص للعلم والتقدّم والثقافة لتكون عناويناً لمرحلة البناء وما بعدها في هذا البلد الإسلامي الفريد في تماسك مواطنيه وإنسجامهم مع بعض.
هنيئاً لشعبنا الليبي بنجاح إنتخاباته، وهنيئاً له على حسن إختياره؛ لكن الطريق ما زالت أمامنا طويلة وعلينا أن نستمر في العطاء والبذل من أجل ليبيانا الحبيبة التي تعذّبت وتذمّرت وبلغتها الإساءة والمهانة لأكثر من أربعة عقود من عمرها.

علّة الإستحواذ
أمّة تخفق في إنتقاء الأحسن من بينها لتمكّنه من حكمها هي أمّة عاجزة تجد نفسها مضطرّة للإعتماد على الغير وسوف تظل كذلك إلى أن تحتكم إلى ذاتها.
ما يعيب مجتمعات العالم الثالث – ونحن منهم – هو التنافس على المناصب من وحي (بدافع) حب الإستحواذ، وليس بهدف تقديم الخدمات؛ وفي هذا يتسابق غير المؤهّلين مع المؤهّلين وعادة ما يكون التنافس غير شريف وغير بناء. مثل هذا النوع من التنافس في وجود الظلم والكبت وفرض الرأي الأوحد لا يفرز إلاّ الأسوأ ممّا يفتح المجال للفرد الأقل علماً والأقل خبرة على حساب نظيره المتعلّم والمتمكّن؛ ذلك لأن الشخص المتعلّم الواثق لا يبحث عادة عن المناصب، ولا يهتم كثيراً بالمراكز، ولا يحفل بالواجهات والمظاهر فيترك هذا الإختلال في توزيع الفرص المجال واسعاً لإنتشار الفسادة وسيادة المفسدين وأصحاب النفوس الضعيفة.
في هذا البحر المتلاطم من إختلاط القيم والمقاييس... كيف يمكن لأمّة من الأمم أن تكتشف خيارها لتمكّنهم من حكمها تمشّياً مع قول ينسب للرسول عليه السلام مفاده: يؤومكم (للصلاة) أكثركم علماً، فإن تساوا فأكبرهما سنّاً.... أي أن القيادة (الإمامة) أعطاها رسول الله للعلم وليس للجاه.
منذ زمن طويل والإنسان يبحث عن الطريقة أو الطرق التي بها يستطيع حكم نفسه من خلال البحث عن الأحسن بالوسائل المتاحة في زمن ومكان كل أمة. مرّت الأمم بالعديد من المحطّات، وجرّبت العديد من الطرق حتى إهتدت البشريّة إلى ما ما هو متوفّر لنا اليوم وهو بطبيعة الحال يمثّل خلاصة خبرة الإنسان عبر الأجيال.
الإختيار الحر من خلال صناديق الإقتراع، والإحتكام السلمي إلى نتائج هذه العملية الإنتخابيّة مع أنّها ربّما ليست مثاليّة لكنها بدون شك تعكس خلاصة ما توصّل إليه العقل الإنساني المبدع.
حين تكون الإنتخابات حرة ونزيهة، وحين تكون الفرص متاحة للجميع بدون تمييز، وحين يتم التناوب على السلطة بإسلوب حضاري ومتمدّن فإن الناس تجد نفسها راضية بالنتيجة؛ وعندها فقط يتجه الناس إلى أعمالهم وهم مطمئنون على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم من بعدهم.
عندما يكثر الفساد، وعندما تتدخّل السلطة الحاكمة في العمليّة الإنتخابية، وعندما يتسلّط على الناس حاكماً من خارج العملية الإنتخابيّة... حينها يحس الناس بالظلم، وحينها يبدأ الشر في الإنتصار على الخير، وحينها تنتشر ظواهر إجتماعية غير سوية بين الناس، ووقتها تطفو الشرورعلى السطح فيتحوّل الإنسان إلى مخلوق أناني طمّاع وتغيب وقتها حقوق البشر في عالم كلّه أو جلّه طمع وتكالب وآنانيّة.

تنظيم الإخوان المسلمون وحلم الإستيلاء على السلطة  
منذ إنشائه في عام 1928 وتنظيم "الإخوان المسلمون" كان يحلم بالإستيلاء على السلطة في مصر من أجل إنشاء "الدولة الإسلاميّة" على أسس دينيّة تعتمد أساساً على فكرة إعادة دولة الخلافة بما يعني ذلك من رفض لكل المستحدثات في طريقة الحكم وتسيير شئون الدول.
الإخوان كما نعرف يؤمنون ب"المرجعيّة"، ويخضعون بطريقة شبه أليّة لسلطة المرشد - وهو ما يشبه إلى حد كبير "ولاية الفقيه" التي يعتمدها الشيعة- الذي يتم إختياره بطريقة "التسلسل الهرمي" المبنيّة على أساس "التمكّن في الفقه" و "السيادة في العمر" على شرط أن يكون المرشد دائماً من الرجال؛ فالمرأة عندهم "ناقصة عقل ودين"، وهم أيضاً من يتبع ما يظنّون بأنّه حديثاً للرسول يقول: لا تولّوا شئون أموركم إمرأة.
سلطة المرشد عند الإخوان المسلمون تعتبرملزمة لكل الإخوانيّين مثلها في ذلك مثل سلطة "آية الله" عند الشيعة. المرشد لا يخضع للإنتخاب، ولا يجوز إنتقاده، وقد يبقى في السلطة مدى الحياة؛ ومن هنا فموضوع الإنتخاب والترشّح عندهم يعتبر من بدع الحضارة الغربيّة "الزائفة".
بعد ظهور تنظيم الإخوان إلى العلن، وبعد تكوين تنظيمات إسلاميّة أخرى مثل حزب التحرير عام 1953؛  تكوّنت في نفس الأثناء
 تنظيمات وطنيّة تعتمد "القوميّة" كعنصر أساسي للحكم في فلسفتها من أمثال تلك التي كوّنها "ميشيل عفلق" (المسيحي) في سوريا بعد رجوعه من الدراسة في فرنسا متأثّراً بالأفكار الإشتراكيّة هناك وفي إيطاليا أيضاً؛ حيث أسّس في البدء منظّمة "الإحياء العربي" عام 1941 التي كانت نواة ل"حزب البعث" الذي أعلنه ميشيل عفلق عام 1947 بالتعاون مع رشيد غالي الكيلاني في العراق، وكذلك صلاح الدين ومدحت البيطار في سوريّا الذين أسّسوا سويّاً ما نعرفه اليوم ب"حزب البعث العربي الإشتراكي".
كانت أفكار حزب البعث العربي الإشتراكي بعد إكتمال بنائه  في عام 1952 تختلف جذريّاً عن أفكار تنظيم الإخوان المسلمون في مصر وبذلك حدث التنافر بين التنظيمين الذي بلغ أشدّه في عام 1954 عندما أعلن الرئيس المصري السابق جمال عبد الناصر حلّ تنظيم الإخوان المسلمون.
ففي بداية ثورة 23 يوليو1951 ساند الإخوان المسلمون الثورة التي قام بها تنظيم الضبّاط الأحرار في مصر، وكانوا الهيئة المدنيّة الوحيدة التي كانت تعلم بموعد قيام الثورة وكانت القوة الشعبية الوحيدة التي كان يعتمد عليها ضباط الجيش لتأمين الدولة ومواجهة الإنجليز. 
كان تنظيم الضبّاط الأحرار يضم عدد كبير من الضبّاط المنتمين للإخوان حيث كان تنظيم الضبّاط الوحدويّون الاحرار يضم جميع الاتجاهات والأفكار السياسية من بين ضباط الجيش المصري وقتها، كما أن مجلس قيادة الثورة كان قد أصدر قراراً بحل جميع الأحزاب السياسية في البلاد مستثنياً من ذلك جماعة الإخوان المسلمون لكونها كانت تقدّم نفسها "كجماعة دينية دعويّة"؛ حيث أصدرالمرشد العام وقتها "حسن الهضيبي" إخطاراً كان يقول: "إن تنظيم الإخوان المسلمون يعتبرجمعية دينيّة دعويّة، وإن أعضاءها وتكويناتها وأنصارها لا يعملون في المجال السياسي، ولا يسعون لتحقيق أهدافهم عن طريق أسباب الحكم كالإنتخابات".
بعد فترة هدوء إصطدم الرئيس جمال عبد الناصر ومعه مجموعة من الضباط ببعض قيادات الضباط الاحرار - المنتمين للإخوان - الذين كان من رأيهم أن الضبّاط دورهم كان قد إنتهى بخلع الملك فاروق ويجب تسليم البلد لحكومة مدنيّة وإعادة الحياة النيابيّة وكان من بينهم "محمد نجيب" رئيس الجمهورية الذي تم عزله و"خالد محيي الدين" الذي تم نفيه إلى النمسا. كما اصطدم الرئيس جمال عبد الناصر بالإخوان صداماً شديداً نتيجة لمطالبة الإخوان لضبّاط الثورة العودة إلى الثكنات وإعادة الحياة النيابية للبلاد، مما أدّى إلى إعتقال عدد كبير منهم بعد محاولة أحد المنتمين إلى الجماعة إغتيال عبد الناصر في ميدان المنشيّة بالإسكندريّة في 26 أكتوبر 1954، ما أدى إلى إصابة بعض الحضور الذين كان من بينهم وزيراً سودانيّاً، وأعتبرت  جماعة "الإخوان المسلمون" محظورة منذ ذلك العام؛  إلا أن مجلس قيادة الثورة حينها كان يتسامح مع بعض أنشطتها الدينيّة ولكن في حدود معيّنة فقط.
منذ ذلك التاريخ والعداء بين الإسلاميّين والقوميّة العربيّة بدأ يتأجّج، وكذلك كان الصراع بين القوميّين (الليبراليّين) وبين التنظيمات الدينيّة (الدينيّين) وعلى رأسها تنظيم الإخوان المسلمون إلى أن بدأ تنظيم الإخوان في النشاط من جديد في عهد الرئيس "أنور السادات"، ولم يعمل الرئيس المطاح به "حسني مبارك" على محاربتهم في عهده، إلى أن تبنّي الإخوان المسلمون ثورة 25 يناير التي قام بها الشباب بعيداً عن الإخوان في البداية لكنّهم وجدوا فيها فرصتهم للسيطرة على الحكم وذلك تحديداً ما تمكّنوا منه كما نعرف عن طريق إنتخابات كثر حولها اللغط وشابها الكثير من علامات الإستفهام، حيث ترك الإخوانيّون لوحدهم في مقابلة رمز لنظام حسني مبارك إسمه "أحمد شفيق" الذي كان آخر رئيس وزراء في عهده الطويل وكان مسئولاً عن الكثير من عمليّات القمع التي حدثت أثناء ثورة 25 يناير؛ فلم يجد المصريّون بدّاً من إختيار الدكتور "محمد مرسي" ليكون رئيساً لمصرهروباً من نظام الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي كان شفيق يمثّله بكل ثقله، ولو كنت أنا مصريّاً لقمت بالإمتناع عن التصويت أو ربّما قمت مرغماً بالتصويت لصالح الإخوان المسلمون مع أنّني لا أتفق مع طريقة تفكيرهم التي تعتمد عمليّاً على مبدأ "الغاية تبرّر الوسيلة" !.

إخوان ليبيا وموقفهم من الإنتخابات
على الرغم من قناعة الإخوان المسلمون في ليبيا بأن الإنتخابات كانت حرة ونزيهة، وعلى الرغم من خسارتهم لهذه الإنتخابات بأكثر مما كانوا يتوقّعون إلاّ أنّهم لم يتمكّنوا من قبول الهزيمة ولم يستطيعوا تصوّرها على الإطلاق. الإخوان المسلمون في ليبيا كانوا يظنّون بأن نتيجة الإنتخابات سوف تكون لصالحهم لأنّهم كانوا يراهنون على عدد من العوامل أحدها إستغلال الفراغ السياسي في ليبيا وكذلك قلة خبرة الليبيّين بالإنتخابات والعمل السياسي كما كانوا يظنّون.
الليبيّون والليبيّات فاجأوا العالم أجمع من حولهم بصفة عامة والإخوان المسلمون وبقية التنظيمات الدينية المتشددة ومن يقف وراءهم ويدعمهم من دول الخليج العربيّة على وجه الخصوص بأن إختاروا التكنوقراط أصحاب المؤهلات العالية والأفكار الحرة (الليبراليّة) لحكم ليبيا في هذه المرحلة الإنتقالية الثانية التي بكل تأكيد سوف تؤسّس لمستقبل ليبيا كبلد وكنظام حكم. نعم..... إنحاز الليبيّون والليبيّات للعقل والعلم والعصرنة فبرهنوا على أنّهم ينتمون إلى شعب ذكي ومتفهّم وعقلاني وهذه بدون شك تضاف إلى ميزات الشعب الليبي الذي برهن خلال 17 شهراً مضت منذ بداية ثورة فبراير المجيدة على أنّه يغلّب العقل والمنطق على العاطفة.
كتبت "الشرق الاوسط اللندنية" على إثر إعلان مالا يقل عن 90% من نتائج الإنتخابات في ليبيا مقالاً كان بعنوان: ليبيا.. «الإخوان» حائرون قالت فيه:
رغم ذلك، فإن النسائم الأولى تشير إلى هبوب رياح «وطنية» أو قل ليبرالية، سمها ما شئت، لكنها بالتأكيد ليست رياح «الإخوان» ومن لف لفهم في ليبيا. كانت ليبيا، كما لاحظ كثيرون، استثناء في سباحة شعبها ضد تيار «الإخوان» فيما سمي بالربيع العربي.
من المبكر أخذ تصور واضح عن المشهد السياسي الليبي عقب الانتخابات الأخيرة، خصوصا أن الانتخابات لم تصل إلى محطتها النهائية، من خلال إعلان الجهة المخولة للنتائج.
لماذا كانت ليبيا مختلفة؟ ولماذا اتجه شعبها «المحافظ» عكس وجهة جاريه في مصر وتونس؟ وهل لذلك علاقة بطبيعة التركيب الاجتماعي؟ أو له علاقة بما فعله القذافي في الشعب الليبي سابقا طيلة عقود ناهزت النصف قرن، كان فيه التحزب السياسي إثما وجريمة، و«من تحزب فقد خان»؟
ربما بسبب هذا كله، وربما لأسباب أخرى، وربما تكون هذه حالة دائمة في ليبيا وربما تكون استثنائية، القصة لم تنته بعد، بالكاد بدأت.
لكن وبشكل سريع ثمة بعض اللمحات التي تستحق التأمل في القصة الليبية الأخيرة؛ من أظرفها تصريح محمد صوان، زعيم حزب العدالة والبناء، الذراع السياسية للإخوان المسلمين، حيث كان متأكدا قبل نتائج الانتخابات من فوز فريقه وتياره، لكنه صُدِم من تقدم التحالف الوطني بقيادة الليبرالي محمود جبريل.
قال صوان إن جبريل «لم يقدم نفسه للشعب الليبي على أنه ليبرالي. قدم نفسه على أن له مرجعية إسلامية. استفادت التيارات العلمانية من ثورات الربيع العربي ورفعت راية المرجعية الإسلامية.. صوت الليبيون لجبريل باعتبار أنه إسلامي أيضا».
هذا تصريح ظريف، خلاصته أنه يحق لنا نحن فقط التلويح بالشعار الديني السياسي، وأن جبريل خدعنا وخدع الليبيين حين أخذ شعارنا منا!.
وفي تصريح لصحيفة الشرق الأوسط السعودية اللندنية، اعتبر كاعتراف بالهزيمة قال بشير سالم الكبتي، المسؤول العام (المرشد) لجماعة الإخوان المسلمين في ليبيا، إن "حزب البناء والعدالة" الذراع السياسية لجماعته "حصل على ما يبدو على المرتبة الثانية في الانتخابات. ويعتبر الكبتي أرفع مسؤول في جماعة الإخوان المسلمين يقر علانية للمرة الأولى بفوز تحالف القوى الوطنية الذي يترأسه محمود جبريل.
لا ندري عن دقة اتهام صوان لجبريل وتحالفه الوطني، لكن الأكيد أن جبريل كان واضحا وهو يتحدث عن هوية الشعب الليبي المسلمة وأهمية الانطلاق من هذه الحقيقة. ما الجديد في هذا؟! هل كان منتظرا من جبريل أن يؤكد على الهوية البوذية للشعب الليبي مثلا؟!.
أهمية هذا الكلام هو سحب الشعار الديني من سوق الجدل والتنافس السياسي. الصراع أو التنافس على السياسة وليس على الدين، على البرامج العملية وليس على الهتافات العاطفية المثيرة.
الملمح الثاني المهم في عدم فوز الإخوان المسلمين في ليبيا بالأغلبية، على الرغم من عدم انتهاء الصورة الكاملة حتى الآن، هو قطع الطريق على التواصل الإخواني الموعود، أي طريق مصر وتونس مرورا بليبيا في تحالف «ولايات» إخوانية، حسبما هتف الخطيب صفوت حجازي، بحضور الرئيس مرسي، في مهرجان سابق، وحسبما طالب المفكر الإخواني كمال الهلباوي (أعرف أنه استقال إداريا من الجماعة، لكنه لم يستقل فكريا وتنظيريا).
لماذا تعتبر ليبيا خسارة من نوع ثقيل لجماعات الإخوان؟ لأن ليبيا كان من الممكن أن تكون هي دولة «الخزينة» والمال بالنسبة لهذا الاتحاد الإخواني الموعود، ناهيك عن الاتصال الجغرافي والديموغرافي الذي من المؤكد أن «حكماء» الإخوان الأخفياء يفكرون فيه بجدية، وترقب وصبر حتى تحين اللحظة المناسبة.
على كل حال، القصة الليبية مهمة جدا، ولم تكتمل فصولها بعد، هي القصة المختلفة عن كل القصص.... إنتهى الإقتباس.

والخلاصة... بالنسبة لإخوان ليبيا يمكنني القول بأن إهتمام رجل الدين الكبير بالفوز وحلمه بالغنيمة إنّما هو كمثل ذلك المعدوم الذي يربح اليانصيب فيمضي كل وقته في عد ماله بدل أن يفكّر في الكيفيّة التي ينفقه بها !.

ماذا علينا فعله الآن ؟
إن كنّا بالفعل نفكّر في مستقبل بلادنا الذي هو بطبيعة الحال مستقبلنا ومستقبل أولادنا فعلينا أن نرتفع بتفكيرنا قليلاً عن القيل والقال، وأن نحاول التخلّص من نظريّة المؤامرة، وأن نبدأ من الآن فصاعداً النظر إلى الغير من خلال كلامهم وأفعالهم بدل أن نعتمد على ما يقوله "بعض" الغير فيهم، فليس كل الناس وللأسف يعتبرون من المخلصين للوطن. الآنانية تعتبر مرضاً يصيب الإنسان ويستوطن في عقله فيؤثّر على تفكيره ويوجّه تصرّفاته، لأن المصلحة الذاتية حين تسود على تفكير الإنسان تفسده.
الطاغية القذّافي زرع فينا تلك المفسده - مع غيرها من المفاسد الأخرى - لكن ذلك الطاغية إنتهى وإلى الأبد فلما يصر بعضنا على المحافظة على ذلك "الإرث" الخبيث؟. الدكتور محمود جبريل إنسان واقعي، وعقلاني، وهو بدون شك متعلّم فعلينا أن نحترمه لأنّه إبن ليبيا، ولأنه من نتاج هذا الشعب. لماذا لا نثق فيه ونتعاون معه ونساعده على تحقيق ما يحلم به لليبيا؟. بإمكان أي منا أن يراقبه، وأن يصلح إعوجاجه إن حدث، لكن لا يجب علينا على الإطلاق مخاصمته أو الوقوف ضدّه. إن الذين يبثّون الإشاعات عن الدكتور محمود جبريل هم من وجهة نظري أناس نفعيّون مصلحيّون لا تهمّهم إلاّ أنفسهم وعليهم أن يرضوا بإختيارات المجتمع. الشعب الليبي بأغلبيّته الساحقة قال وبكل حريّة "نعم" للدكتور محمود جبريل وللمتعاونين معه من بقيّة الإخوة والأخوات الليبيّين فلماذا نعترض على إختيار الناس، ولماذا نلجأ إلى التحدّث عن "الجهات" التي وراءه أو تؤثّر عليه، أو تستخدمه؟. أليس هذا الإنسان بقادر على أن يفرض أرائه من خلال علمه ومقدرته على من نظن بأنّهم يستغلّونه أو يؤثّرون عليه؟. ألم يذهب الدكتور محمود جبريل إلى الإليزيه ليقابل هناك الرئيس الفرنسي حينها ساركوزي ويقنعه بوجهة نظره مما دفع ساركوزي إلى تزعّم الموقف الأوروبي والعالمي من خلال مجلس الأمن لمناصرة الشعب الليبي؟. ألم يقنع الدكتور جبريل بحنكته وعلمه الرئيس الفرنسي بعدالة الثورة الليبيّة مما جعل من فرنسا البلد الأوّل في العالم التي ترسل طائراتها إلى الأجواء الليبيّة في أقل من 24 ساعة من صدور قرار مجلس الأمن لإيقاف تقدّم أسلحة الدمار التي أرسلها الطاغية القذّافي لمسح بنغازي من على الأرض كما قال زبانية القذّافي حينها؟. ماذا لو أن فرنسا تأخرت كبقية الدول الأوروبية مثل بريطانيا وإيطاليا التي كانت مترددة بشكل غريب، وماذا عن الولايات المتحدة التي كانت حينها تناصر الطاغية القذّافي؟. وماذا عن تركيا التي كانت ترى مصالحها التجارية مع القذافي قبل أن ترى مآسي الشعب الليبي؟. هل نسينا، أم أنّنا بدأنا في إنكار مواقف دول العالم التي ساندتنا؟. هل نقارن أنفسنا الآن مع ما يحدث في سوريا من قتل ودمار وتشريد على أيدي الطاغية بشّار الأسد؟. هل يوجد في سوريّا شبيه للدكتور محمود جبريل فيقوم بتوحيد المعارضة، ويقوم بإقناع العالم من حول سوريا بتوقيف الأسد عن إقتراف جرائم القتل في سوريا الحبيبة؟. علينا أيها السادة والسيدات أن نحترم إختيار أهلنا في ليبيا من خلال صناديق الإقتراع، وعلينا أن نفتخر بأن شعبنا إختار المتعلمين والعقلاء لقيادة سفينة البناء بعد أن تمكّن الشعب الليبي بكل طوائفه من قيادة سفينة التغيير وبنجاح باهر.

لماذا يا أيّها الليبيّون والليبيّات لا نحاول التخلّص من نظريّة المؤامرة ونبدأ بالتفكيرالواقعي؟. نحن الليبيّون والليبيّات من يناط بنا المحافظة على بلدنا والعمل على بناء مستقبلها الذي هو مستقبلنا بكل تأكيد، فعلينا أن نتكاتف جميعاً من أجل بناء بلدنا بدل أن نفكّر في مصالحنا الآنيّة ونعمل على تحقيق أحلامنا الوريّة كأفراد أو تنظيمات....  فليبيا هي أكبر منّا جميعاً. الحكّام وأنظمة الحكم تنتهي مع الوقت لكن الشعب يبقى ما بقيت الحياة... فهل نعقل قليلاً.
أتمنّى أنّه بمجرّد إعلان النتائج النهائيّة للإنتخابات وبغض النظر عن الجهة الفائزة أن تقوم بقيّة الأحزاب والتنظيمات والأفراد بإعلان قبولهم للنتيجة وبتقديم التهاني والتبريكات للحزب أو التنظيم أو الكيان الفائز مع الإعلان عن الإستعداد الكامل للتعاون مع الطرف الفائز من أجل مصلحة وتقدّم البلد. وأود هنا أيضاً أن أذكّر الجميع بأنّنا كلّنا نقول بأنّنا مسلمين، وبأن كل الليبيّين يدينون بالإسلام، وبأن ديننا هو دين وسطي يدعو إلى التسامح والتصالح والتعاون إستجابة لقوله تعالى: {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ }... فهل تطبّقون كلام الله مرة واحدة في حياتكم فيعفي كل منكم عن أخيه ليتحقّق الصلح بينكم مرضاة لله وإستجابة لنداء وطنكم... فهل سوف تفعلون بدل التكالب على كراسي الحكم والتخاصم من أجل سلطان زائل؟.


وختاماً.. أهلنا في كل ليبيا بدون إستثناء وبدون كراهيّة لأحد مهما كان التنظيم أو الفكر الذي يتبعه أود أن أهمس في أذن كل ليبي وليبيّة لأقول؛ إن الأفراد قد يشذّون عن المجتمع، وأقليّة شاذّة قد تفسد هناء وسعادة البقيّة والأمثلة أمامنا كثيرة:
خذ مثلا تنظيم القاعدة، وخذ مثلا السلفيّون، وخذ مثلا الإنفصاليون، وخذ مثلا المهرّبون عبر الحدود... هذه الأقلّيات الشاذة عن المجتمع ترى مصالحها وفق حساباتها ومعاييرها الخاصة. هؤلاء الناس لا يهمّهم أن تخرب بلد بكاملها في سبيل تحقيق تلك المصالح الذاتيّة لأن الأنانية تنتصر في مثل هذه الحالات على الإيثار، والغباء ينتصر على الذكاء، والجهل ينتصر على العلم.... وبخلاصة: ينتصر الشر على الخير عندهم لكنّهم لا يحفلون.
كيف يمكننا كشعب ليبي يطمح في المضي قدماً التعامل بكل حكمة وذكاء مع مثل هذه الظواهر، وكيف يمكننا شق طريقنا عبر الأوحال والمطبّات التي تعترض قاطرة التغيير في ليبيانا؟.
الإجابة بدون شك ليست بسيطة، لكن علينا "معاً" أن نتعاضد ونتكاتف ونتعاون وحينها فقط سوف يجد أولئك الشواذ أنفسهم "غرباء" عن الوسط المحيط بهم، وحينها تكون الخيارات المتاحة أمامهم قليلة؛ فعليهم إمّا أن ينسجموا مع الأغلبيّة، وإمّا أن يهاجروا، وإمّا أن ينتحروا. الخيار يظل في نهاية المطاف هو خيارهم، والقرار هو قرارهم؛ لكننا كشعب علينا أن نمضي قدماً ونتعاون معاً على إزاحة العقبات التي تقف أمامنا بالتي هي أحسن في بادئ الأمر فإن لم نفلح في ذلك المسعى فإنّه حينها لن يتبقى أمامنا غير مواجهة هؤلاء بالقوة إن إقتضى الأمر... فالأفراد يذهبون لكن الشعب سوف يبقى ما بقيت الحياة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك