2022/02/07

الصيرفة الإسلاميّة والمتاهات المصرفيّة (الحلقة الثالثة)

في حلقة اليوم سوف ألقي الضوء على ما يسمّى ب"الصيرفة الإسلاميّة"، وجذورها التاريحيّة. ففي المجمل؛ تعتبر البنوك الاسلامية تجربة حديثة نسبيا في العالم الاسلامي, و يقول شيوخ الدين بأنّ الحاجة إليها كانت قد جاءت تلبية للحاجة الملحّة لمؤسسات مصرفية تلبّي احتياجات المسلمين, و في نفس الوقت تلتزم بما يسمّى ب"أحكام الشريعة الاسلامية" بعيدا عن المعاملات "الربوية" للبنوك العالمية.
في واقع الأمر يعود تاريخ المعاملات التجاريّة بين المسلمين إلى ما قبل الإسلام. ففي زمن الجاهلية، كان الإقراض بفائدة، ولما جاء الإسلام، أقرّ مبدأ "المضاربة"، لما يظنّون بأنّها تعتبر بديلاً عن نظام الفائدة؛ حيث أعتبر الكثير من رجال الدين بأن فائدة المصارف تعتبر "ربا"، وذلك يعتبر حراماً.


المضاربة هي بدورها كانت موجودة في قريش قبل مجئ الإسلام، وحينما بُعث الرسول عليه السلام بدين الله أقرّ المضاربة ولم يعتبرها مخالفة للدين الإسلامي؛ وروي عنه أنّه عليه السلام كان قد "ضارب" لخديجة بمالها إلى الشام قبل أن يتزوّجها. أمّا بعد النبوّة؛ فتقول الكثير من المصادر بأن الرسول عليه السلام سمح بإستمرار المضاربة، وكان الناس من حوله يتعاقدون بالمضاربة فلم ينكر عليهم ذلك.
أمّا "الإيداع" فهو بدوره كان من تعاملات الأغنياء من قريش قبل نزول الوحي، ولم يتحدّث الرسول بأية ممانعة لذلك؛ بل إنّه في عهد الخلافة الإسلاميّة من بعده كانت قد إنتشرت معاملات "الإيداع"؛ حيث كان الميسورون يودعون المال عند "الزبير بن العوام" على سبيل القرض المسترد بلا فائدة، ومن ثمّ أصبح الزبير غنيّاً؛ حيث أنّه حينما مات كان بحوزته قرابة مليوني درهم ومائتي ألف... كما تقول بعض المصادر. فمن أين أتته تلك المليونين ونيّف؟!.
أمّا في العصر الحديث؛ فتقول كتب التاريخ بأن أوّل ظهور لمؤسّسات التمويل الاسلامي يعود الى سنة 1940؛ حيث أنشأت في "ماليزيا" صناديق للإدّخار بدون فوائد؛ وفي عام 1950 إنتقلت فكرة إعتماد صيغ تمويل تلتزم بما يسمّى "أحكام الشريعة الاسلامية" الى دولة الباكستان. غير أن المحاولات الجادة في العصر الحديث لإنشاء بنوك تقدم خدمات و أعمال مصرفية تتفق مع "أحكام الشريعة الاسلامية" كانت قد بدأت في عام 1963 من خلال تجربة بنوك الإدّخار المحلّية التي ظهرت في صعيد مصر بمحافظة الدقهلية على يد الدكتور أحمد عبد العزيز النجّار. و لقد إعتمدت بنوك الإدّخار المحلّية في عملها على أساس تجميع المدّخرات الصغيرة لصغار الفلاحين و إعادة توظيفها على قاعدة المشاركة بعيداّ عن سعر الفائدة سواء أخذاً أو عطاءً. ولم تعش تلك التجربة لأكثر من 4 سنوات حيث برهنت على أنّها من الناحية العمليّة لا يمكن تنفيذها على مستوى الدولة من خلال المصارف نظراً لإحتياج المصارف إلى مردودات ماليّة تساعدها على تنفيذ أعمالها؛ ويتأتّى لها ذلك من خلال فرض رسوماً محددة ومعروفة تظمن لها الإستمرار في أعمالها من ناحية، وتساعدها على التوسّع في مجال الخدمات المصرفية من ناحية أخرى؛ وكان ذلك تحت بند "الفائدة المصرفيّة".


وفي باكستان، كانت هناك تجربة أخرى على يد "الشيخ" أحمد إرشاد مدعوما من الملك فيصل ملك السعودية، وكذلك "الشيخ" أمين الحسيني. وكانت التجربة الباكستانيّة قد إعتمدت على مقاربات تفضي بتحويل البنوك التقليدية الى بنوك إسلاميّة لا تتعامل ب"الربا"؛ مع الإبقاء على الآليّات المعمول بها في تلك البنوك؛ لكن هذه المحاولة هي نفسها لاقت مصير سابقتها حيث لم تستمر أكثر من عدة أشهر بسبب شح المردودات المصرفية وعجز المصارف المتعاملة بدون فوائد عن القيام بأعمالها بدون مساعدة الدولة لها لدفع مصاريفها اليوميّة.
أمّا في عام 1970؛ فقد قدّم كل من الوفد المصري و الباكستاني لمؤتمر وزراء خارجية الدول الإسلاميّة المنعقد في كراتشي عاصمة الباكستان إقتراحاّ بإنشاء "بنك إسلامي دولي" أو إتحاداً دوليّاً للبنوك الاسلامية؛ و ذلك خلال المؤتمر الثاني لوزراء خارجية الدول الإسلامية المنعقد في كراتشي، وكانت قد تمّت بالفعل دراسة المشروع و تقديم تقريراً ينص على ضرورة تطوير "نظام إسلامي" يكون بديلاً للنظام العالمي الذي قالت عنه بعض الوفود الإسلامية - وخاصّة تلك المتشددة بعض الشئ مثل السعودية وباكستان وبعض الدول الخليجية الأخرى - بأنّه يعتبر نظاماً ربويّاً، وإعتبروه "محرّماً شرعاً" وفق ذلك التعريف.
أمّا في عام 1971؛ فقد شهد ذلك العام تأسيس "بنك ناصر الاجتماعي" الذي بدأ بممارسة نشاطاته المصرفية عمليّا في عام 1972، ونصّ قانونه التأسيسي على عدم التعامل بالفائدة. و قد إسترعت هذه التجربة اهتماما كبيرا جعلها تُدرج على جدول أعمال إجتماع وزراء خارجية الدول الإسلامية عام 1972 في مدينة جدة الذي درس إمكانية إقامة بنوك إسلامية محلية و بنك إسلامي دولي، ولكن لم يخرج المجتمعون حينها بإتفاق إقراري بينهم.


أمّا في عام 1973 ، فقد طرحت في إجتماع وزراء مالية الدول الإسلامية في مدينة جدة من جديد فكرة إقامة بنوك إسلامية تعمل على تقديم خدمات مصرفية متكاملة وبدون فوائد، كما ناقش المجتمعون حينها كل الجوانب النظرية والعملية لإقامة نظام للبنوك و المؤسسات المالية الإسلامية. وقد لاقت تلك الفكرة الترحيب و القبول؛ حيث إنتهى الاجتماع الى ضرورة وضعها موضع التنفيذ.
وبرغم كل تلك الإرهاصات، وإصرار بعض الدول الإسلاميّة ذات أنظمة الحكم المتشددة، والتي تعتمد على دعم شيوخ الدين في مشروعيّتها وإستمراريّتها برغم الغياب الكلّي للديموقراطيّة فيها؛ برغم كل ذلك يمكن القول بأن العمل المضني من أجل تأسيس نظام مصرفي "إسلامي" - كما يصر شيوخ الدين - كانت بدايته الفعلية ربّما في عام 1975 حينما صدر المرسوم الأميري في دولة الإمارات بتأسيس بنك دبي الإسلامي الذي إشتمل على تقديم خدمات مصرفية متكاملة. و تم في نفس السنة تأسيس البنك الاسلامي للتنمية و هو مؤسسة دولية لتمويل التنمية تشارك فيها جميع الدول الاسلامية.
تلك كانت ربما حوصلة تاريخية لنشوء ما يعرف ب"الصيرفة الإسلاميّة"، وقد رأينا بأن المسلمين لم يقدروا على الإتفاق لتأسيس مصارف إسلامية تتعامل بدون فوائد مصرفية تمكّن المصارف من أداء مهامها بدون الإعتماد على الدعم الحكومي... بمعنى إنشاء مصارف بجودة عالمية تكون معتمدة على نفسها بدون الحاجة إلى دعم مالي حكومي، وتقدر على منافسة المصارف والمؤسّسات المالية العالمية الكبرى من خلال مواردها الذاتيّة.
وختاماً لحلقة اليوم؛ أطرح عليكم قائمة بمحاولات "البنوك الإسلامية" العبور فوق مشروع "الفائدة المصرفيّة"، وسترون بأن كل تلك المحاولات كانت ليست أكثر من "إيهام" الزبون بأنّها لا تتعامل بنظام الفائدة "الربوي" كما تقول إداراتها المطعّمة بممثلين من شيوخ الدين على هيئة "إستشاريين" أو من الناحية العملية "مفاتئ" :-
  1. المرابحة: هي نوع من أنواع البيوع وهي بيع بضاعة بنفس السعر التي أشتراها بها البائع مع أضافة "ربح" معلوم بنسبة من سعر الشراء أو مبلغ أضافي محدد مسبقاً بناء على وعد بالشراء من العميل وهي تسمّى "المرابحة المصرفية"، وهي أن يوقع عقد بين من يريد شراء بضاعة والمؤسسة المصرفية الإسلامية حيث تقوم المؤسسة المصرفية بشراء البضاعة ومن ثم "تضيف" على الثمن الأصلى مبلغ صغير(فائدة) كمصاريف أضافية؛ ومن ثم تبيعها لمن يريد شراء البضاعة (العميل) عن طريق أقساط يدفعها العميل، وهذا ما يبرر عدم شرائه للبضاعة مباشرة من مالكها الأول تحت إسم "الإجارة".
  2. الإجارة: هي من العقود "الشرعية" المعلومة في الفقه الإسلامى وأساسها يكمن في بيع "منافع الأشياء" مع بقاء أصولها في ملكية البائع؛ ومنها نوعان: الإجارة المنتهية بالتمليك، والإجارة الموصوفة بالذمّة.
  3. الاستصناع: عقد "الأستصناع" هو عقد يبرم مع جهة مصنّعة بحيث تتعهد بموجبه بتصنيع سلعة ما وفقا لشروط معينة يفرضها المصرف "المصرف الإسلامي" وعند حلول الأجل يقدّم الصانع منتوجه للمصرف؛ وفي حالة قبول المصرف لها يبيعها المصرف على أنها سلعة خاصة "مصنّعة محلّيا"، و"فائدة" المصرف هي "المبلغ الزائد" عن التكلفة الكلّية للسلعة والتي يحددها المصرف ذاته.
  4. المضاربة: المضاربة في "علم" فروع الفقه هي عقد بين شخصين، يقدّم أحدهما بموجبه مالاً إلى الآخر ليتاجر فيه "بنصيب من الربح" (فائدة)، فإن لم يكن ثمّة ربح فالمال لصاحبه، وإن كان فيه وديعة فمن المال، وليس على الذي إتّجر في المال شيئاً من الوديعة. ويسمّى الطرف الذي يقدّم المال "صاحب المال" أو رب المال أو المالك أو المقارِض. ويسمّى الطرف الذي يتولّى التجارة والعمل "العامل" أو صاحب العمل أو المضارب أو رب العمل أو الأمين أو المقارَض.
  5. المقارضة: المقارضة هي من "القراض"، وهو من عقود المعاوضة غير اللازمة والجائزة بالسُنّة التقريرية والإجماع، وهي مما كان معمولاً به في الجاهلية فأقرّه الإسلام.
  6. المشاركة: المشاركة هي أن يقدم الطرفان المال بينما الإدارة قد تكون من الطرفين أو أحدهما على شرط أخذ مبلغ إضافي(فائدة) من صافي الربح مقابل المجهود؛ وسمّي بالمشاركة لأن شرطه مشاركة الطرفين للربح والخسارة كما يحق لأيّ من الأطراف أن يبيع مساهمته لطرف ثالث خلال مدة العقد.
  7. القرض الحسن: القرض الحسن هو قرض يدفعة المصرف وفق شروط معينة متفق عليها ولا يقاضى المصرف أي زيادة عند سداد المبلغ من قبل المقترض.
  8. الحسابات الجارية: الحسابات الجارية هي خدمة توفّرها المصارف الإسلامية كما هي في المصارف العادية وهي قبول والإحتفاظ كأمانة بأموال يودعها العملاء لا تضاف عليها أية فائدة "ولا تتحمّل أية مخاطر" ويمكن للمصرف ان "يضيف عليها جوائز"(فائدة) غير مسبقة التحديد، وتسمح بعض المصارف الإسلامية بالسحب على المكشوف "لبعض" العملاء ولا تتقاضى عليهم أية فوائد، وإنّما يكون المال المودع بمثابة قرض "حسن" يخضع "لشروط" محددة يتم الإتفاق عليها.
تلك كانت قائمة غير حصريّة لما يسمّى ب"الصيرفة الإسلاميّة"، وأختم القول بالتنويه إلى أن هناك بعض "فقهاء المسلمين" مثل شيخ الأزهر د. محمد سيد طنطاوي من يرى بأن "لا حرمة" في معظم معاملات المصارف التقليدية، وقد خصّ بالذكر أنه "يحل" للمسلم أخذ "فائدة" عن المبالغ التي يودعها في المصرف، وكذلك "فائدة" على "الاقتراض" من المصرف لغرض إقامة المشاريع أو شراء العقارات والسيارات. كما يرى الكثير من خبراء المال والصيرفة في العالم الإسلامي أنه "لا يوجد" أي فرق جوهري بين المصارف الإسلامية والمصارف العادية باستثناء ""تغيير المسمّيات"" !!.
في الحلقة الموالية سوف أتعرّض لبعض الخزعبلات المصرفيّة بإسم الدين، وكيف هم "المتاجرون بإسم الدين" يضحكون على الناس ب"تغيير المسمّيات". 

الصيرفة الإسلاميّة والمتاهات المصرفيّة (الحلقة الثانية)

معظم الإقتصاديّون المرموقين في العالم يعتقدون بأن الصيرفة هي إيطالية المنشأ وإيطالية المولد، كما أن كلمة "بنك" هي مأخوذة من كلمة Banco الإيطالية والتي تعني طاولة أو مقعدً كان الصيارفة الإيطاليّون يعرضون عليها عملاتهم المختلفة، وعليها يجرون عمليات البيع والتبادل والمضاربات الماليّة.
أنا ذكرت في الحلقة السابقة بأن أوّل مصرف في العالم كان في سيينا في إيطاليا تحت إسم "بنك مونتي دي باتشي دي سيينا" وكان ذلك في عام 1472م. كان ذلك المصرف صغيراً جداً ومعاملاته تقتصر على حفظ أموال من يملكون المال والقيام بحمايتها لهم نظير مقابل بسيط يدفعه صاحب المال"المدّخر" حتى الحاجة إلى ماله.
بعد ذلك تطوّر الأمر بعض الشئ، ففي عام 1587 تم إفتتاح مصرفاً بمهام أوسع في مدينة البندقيّة بإسم "بانكو ديليا بيازا دي ريالتا" وكان هذا المصرف بالإضافة إلى مهمة الإيداع بثمن؛ قام بتطوير خدماته إلى إقراض الفقراء والمحتاجين نظير فائدة رمزية صغيرة يدفعها المقترض للمصرف طيلة مدة الإقتراض. وحيث أن هذا المصرف طوّر خدماته بحيث أنّه يقوم بإقراض بعض من مال المودعين للفقراء والمساكين؛ فقد قرر المصرف إعفاء المودعين من دفع أجور للمصرف تمكّنه من توفير حماية لتلك الأموال المودعة بداخله. المصرف إستفاد من إضافة مهمة الإقراض لخدماته بأن فرض أجرة على المقترضين سمّيت بفائدة، وكانت تلك العوائد من الفائدة كافية لتغطّي مصاريف المصرف من حماية وإدارة وخدمات يوميّة تتطلبها المهمات المصرفية المحدودة حينها.


بعد ذلك توسّعت الأعمال المصرفية بإفتتاح مصرف جديد في هولندا عام 1609 بإسم "بنك أمستردام" الذي أضاف إلى مهمة الإيداع والإقراض إجراء التحويلات المالية من حساب لآخر، وكذلك التداول بعملات مختلفة. ومن أجل تشجيع أصحاب رؤوس الأموال على الإدّخار؛ قام مصرف أمستردام بإعطاء فوائد للمودعين على كمية الأموال التي يقوموا بإيداعها بشرط تركها في المصرف لمدة زمنيّة متعارف عليها حتى يتسنّى للمصرف القيام بالمزيد من عمليات الإقراض وجني بعض الأرباح من فوائد الإقراض لتغطية مصروفات المصرف وتحقيق بعض الأرباح البسيطة التي حوّلت المصرف إلى كيان تجاري يبيع ويشتري مثله في ذلك مثل الدكاكين التجارية المعروفة.
تقوم مصارف اليوم بالعديد من الخدمات المتنوّعة والتي يمكن أيجازها في الآتي:
  1. خدمات المصارف المُختلفة.
  2. خدمات التأمين.
  3. خدمات التمويل.
  4. خدمات إدارة النُقود.
  5. خدمات الرواتب.
  6. خدمات الحماية من الاحتيال.
وكل واحدة من تلك الأقسام تقوم بمهام عديدة في مجال تخصّصها حتى ننتهي بذلك الكم الهائل من الخدمات المصرفيّة التي تشمل كل نواحي الحياة. وبكل تأكيد فإن كل تلك المهام تحتاج إلى مصاريف تمكّنها من القيام بأعمالها، وتلك المصاريف هي ما تعمل كل المصارف الناجحة على توفيرها من خلال مقابل صغير عن كل خدمة تقوم بها لأن من يقوم بتلك الخدمات موظّفون يعولون أسراً تحتاج إلى متطلبات معيشية تساعدهم على البقاء والإستمرار.



كانت المصارف في البداية تخضع لسيطرة وحماية الحاكم بأمره، لكنّها مع تطور أنظمة الحكم وبداية عصر الديموقراطية تمكّنت من التحرر من سيطرة الحاكم أو الطاغية أن شيخ الدين(الكنيسة)؛ وبالفعل أخذت مع الزمن تطوّر من كينونتها حتى أصبحت كيانات مستقلّة لا تتبع الحكومات ولا تحتكرها الشركات الغنيّة.

إن تحرّر المصارف من سيطرة الدولة هو ما دفع بالدولة إلى سن قوانين صارمة تنظّم عمل المصارف، وتركّز قوانين الدولة في البلاد الديموقراطية على الشفافية والمحاسبة والإنضباط والخضوع لقوانين الدولة من حيث مقدار الفائدة، وطريقة التسليف، وأسعار العملات، ونظير كل الخدمات المصرقية بحيث تحافظ كل دولة على مصالح مواطنيها بدون سيطرة رجال الأعمال على خدمات المصارف.
في الحلقة القادمة سوف أتحدّث عن شبيه النظام المصرفي في العالم الإسلامي منذ أيام ما قبل الوحي وحتى يومنا هذا. 

الصيرفة الإسلاميّة والمتاهات المصرفيّة (الحلقة الأولى)


السيّد المحترم والإقتصادي النبه سليمان الشحومي؛ مؤسّس سوق المال الليبي ، والأستاذ الجامعي قالها وبكل صراحة ووضوح بأنّه ((لابدّ من إعادة التعامل بالفائدة في كل المصارف الليبيّة كي تنتعش من جديد، وتقدر على تقديم خدمات معتبرة للمواطنين، والأهم "كي تقدر على المنافسة العالميّة" في مجالاتها)).
الغريب والمريب بالفعل هو تدخّل رجال الدين في أشياء لا يفقهونها ولا حتى يفهمونها. فقد تم إنشاء ما يسمّى ب"الهيئة المركزية للرقابة الشرعية"، والتي رئيسها وأغلب أعضائها هم من الإخوان المسلمين؛ ومن بينهم بكل تأكيد حمزة أبوفارس وفتحي عقوب وسالم الشيخي وأسامة الصلابي. وبكل تأكيد فإنّ كل القرارات التي سوف تصدر عن تلك الهيئة ستخدم فكر الجماعة وتوجّهاتها وخاصّة حينما يتعلّق الأمر بأكبر مؤسّسة ماليّة في ليبيا.
يقال بان " فتحي عقوب " يشغل حاليّاً 5 مناصب حسّاسة من بينها الإستشارة في مصرف ليبيا المركزي وبمرتّب يصل الى 10,000 دينار ليبي؛ وهو الرجل الثاني في حزب العدالة والبناء ، ويشغل الان بالمصرف أمين سر مجلس إدارة مصرف ليبيا المركزي ومستشار 
المحافظ السيّد الصديق الكبير.

السيّد حمزة أبوفارس هو مدرّس لغة عربيّة في الأساس، وكان أن إلتحق بمعاهد دينية وتحصّل على دورات في الدين من قبل شيوخ الدين وتحصّل على الدكتوراة من جامع الزيتونة في تونس... ماذا يفهم هذا الرجل بربكم في المصارف وفي المعاملات المصرفيّة؟.
الغريب في الأمر أنّهم لا يستطيعون الخروج عن معارف إبن تيمية والباز والألباني ومحمد عبد الوهّاب ومن كان في سلّتهم. هؤلاء البشر لا يفقهون في العلم ولا يعرفون شيئاً عن الإقتصاد. فتعاليمهم وثقافتهم ترجع إلى تلك الأزمنة الغابرة وهم لا يقدرون الخروج عنها أو حتى إنتقادها؛ وحينها بكل تأكيد لم تكن هناك أية مصارف أو تعاملات مصرفيّة، ولم تكن هناك نقوداً ذات معنى أكثر من بعض المصكوكات المعدنيّة كان أغلب الناس في تلك الآونة لا يمتلكونها ولا يعرفون عنها أيّ شئ. كانت كل المعاملات التجارية في تلك الآونة تتم بالمقايضة والمبادلات السلعية من حبوب وحيوانات وأراض وما كان في إطارها.
كان أول بنك في العالم هو ذلك الذي تم تأسيسه داخل مدينة سيينا في إيطاليا؛ وكان بإسم بنك مونتي دي باتشي دي سيينا Monte di Baci di Siena MBS، وكان ذلك في عام 1472م بهدف توفير قروضاً للفقراء مقابل فوائد رخيصة. تلك الفكرة ساعدت المئات من الفقراء على إمتلاك مساكن لهم ولأسرهم حمتهم من البرد، وكذلك حمتهم من السرقة والإغتصاب.
ففي تلك الأثناء كان الصرّافون قد إحتفظوا بأموال التجّار ورجال الأعمال والمؤثرين كودائع لمنعها من السرقة أو الضياع مقابل إيصال، وقام الصرافون بعد ذلك بنقل الودائع من حساب الودائع إلى آخر، مما أحدث الكثير من الإرتباك وضياع الأموال ففكّر الناس حينها في وسيلة تحافظ على أموال الأغنياء وتجّار الذهب وتمكين أصحابها من سحب ما يحتاجون إليه مقابل بعض العمولات البسيطة، وكان أوّل بنك بالمفهوم المصرفي الحديث قد نشأ في مدينة البندقيّة بإيطاليا بإسم "“بانكو ديليا بيازا دي ريالتا” في عام 1587.
فرح الناس حينها بوجود ذلك البنك، وسعى الكثير من الأغنياء للحفاظ على أموالهم في داخل البنك مقابل أجرة صغيرة يدفعها المستثمر لصاحب البنك. بعد ذلك كثرت مخزونات البنك من أموال الأغنياء بسبب إقدامهم على الإحتفاظ بالزائد من عوائدهم بداخل البنك، فقرّر البنك تقديم سلفاً مصرفيّة لمن يحتاج إليها مقابل أجرة صغيرة يدفعها المستلف حتى إعادة السلفة؛ وتلك الأجرة الصغيرة التي أقرّها البنك رفعت أجرة الإيداع عن كاهل المودعين مما شجّعهم على إيداع المزيد... بذلك نشأت الفائدة التي نعرفها اليوم. تلك الأجرة الصغيرة التي كان يفرضها البنك لتقديم قروضاً للمحتاجين مكّنت البنك من القيام بأعماله المصرفية من ناحية، وتوفير الحماية الأمنيّة للمال المخزون من ناحية أخرى... وبذلك تمكّن البنك الأوّل في العالم من البقاء والإستمرار، وبدأت الأموال تتدفّق على البنك من التجّار والمزارعين وأصحاب الحرف اليديوية والتي منها السباكة.
من بعد ذلك بدأ التفكير المصرفي ينتشر بين الناس خاصّة بعد ذلك النجاح الكبير الذي حققه "بانكو ديليا بيازا دي ريالتا"؛ ففي عام 1609م تم إنشاء بنك أمستردام في هولندا بهدف الاحتفاظ بالودائع تحت الطلب وإجراء التحويلات من حساب إيداع إلى آخر والتداول بعملات مختلفة مع التطور الاقتصادي في تلك الأثناء.
بعد ذلك بدأ تجّار الذهب وأصحاب الأموال المستثمرة يحسّون بالأمان على أموالهم، ومن ثمّ شرعوا في التفكير في عملية الاستثمار الجزئي مقابل فوائد نقدية تقديرية تعطيها لهم المصارف، وبدأت الخدمات المصرفية تتطور تدريجياً إبتداء من القرن الثامن عشر الميلادي وحتى يومنا هذا.... ملتقاكم في الحلقة القادمة من هذه السلسلة بإذن الله.