2019/03/07

الشباب الثائر في دولة الجزائر

 الحكّام يذهبون والوطن يبقى ما بقيت الحياة. حينما يكون الوطن هو مقصدنا وهو غايتنا ننجح في رفع قواعده وبناء أسسه بسواعدنا ، ونبني مستقبله بأيدينا ونحدّد وجهته بعقولنا وأفكارنا، ونلتحم حينها كلّنا مع الوطن في حب أزلي تتوارثه الأجيال من بعدنا بكل حب وتدافع عنه بكل قوّة وتتنازل له من أجل رفعته عن كل نفيس. 
كنت أتفرّج الليلة البارحة على ثورة الشباب في الجزائر من خلال شاشات التلفزيون وبسرعة تم الربط في مخيّلتي بين ثورة الشباب في ليبيا وتلك التي سبقتها في تونس ومصر، وقلت في نفسي... لقد ثار الشباب الليبي بكل حماسة وبكل صدق وبكل شغف من أجل إنتزاع الحريّة ومن أجل فتح الطريق نحو غد أفضل ومستقبل أبهى وأجمل، لكّن ثورة شبابنا في ليبيا وللأسف تم إستلابها منهم وحتى قبل أن تؤتي ثمارها.
رأيت الكثير من شباب وشابّات الجامعة وهم يتركون قاعات الدراسة بهدف المطالبة بالحريّة وبهدف إيقاف العبث في بلادهم بعد أن أعلن رئيسهم العاجز جسديّاً وعقليّاً ترشيح نفسه لفترة حكم خامسة برغم كل المحاذير وبرغم كل المخالفات الدستوريّة.
يبلغ عدد سكّان الجزائر الآن 42.2 مليون نسمة منهم 19 مليون من الشباب اليافعين والذين تقل أعمارهم عن 25 سنة، والكثير منهم كان قد بدأ الدراسة الجامعية حديثاً. هؤلاء الشباب بكل تأكيد لم يعاصروا تلك الفترة العصيبة في تاريح الجزائر حينما حدثت ثورة شباب مثل هذه في عام 1988 أدّت إلى تغيير نظام الحكم في الجزائر من آحادي\عسكري إلى ديموقراطي تعدّدي، وبالفعل أجريت أوّل إنتخابات حرّة في عام 1990 على إثر تلك الثورة الشبابيّة لكن تلك الإنتخابات وللأسف أدّت إلى نجاح التيّار الإسلامي من خلال الجبهة الإسلاميّة للإنقاذ حيث تحصّل الإسلاميّون على عدد 188 مقعداً في البرلمان من أصل 228 مقعداً في مرحلة الإنتخاب الأولى. غير أن الجيش لم يرض حينها بتلك النتائج فأوقف كل العمليّة الديموقراطيّة الوليده ممّا أدخل البلاد في نفق مظلم، حيث إندلعت أعمال عنف دمويّة خلّفت مئات الألاف من القتلى والمصابين والمفقودين، ودماراً هائلا في الاقتصاد، وعرفت تلك الحقبة ب"العشرية الحمراء". كانت نتيجة تلك الثورة الشبابيّة في غير ما كان يطمح إليه الشباب، حيث تم إسقاط نظام حكم الشاذلي بن جديد لينتقل الحكم من بعده للسيّد عبد العزيز بوتفليقة ولكن على جسر بناه الجيش على أنفاذ فترة التحوّل الديموقراطي القصيرة جدّاً والتي لم تتجاوز العدّة أشهر.
من هنا كنت أتخيّل الشباب الجزائري وهو يخرج اليوم للمرة الثانية باحثاً عن الحريّة ولا يدري هذا الشباب الملوء حيويّة والحامل لكل بذور الأمل في غد أفضل للجزائر التي نعرف بأنّها بلد غنيّة في الخيرات الطبيعيّة وهي غنيّة في العقول المبدعة أيضاً، لا يدري هذا الشباب إلى أين سوف تسير الأمور وكيف سيكون المآل.
كنت أنظر إلى الشباب وهم يخرجون بالألاف فتيان وفتيات في مظاهرات سلميّة ومدنيّة ومتحضّرة بشكل تجاوز في تحضّره مظاهرات السترات الزرقاء في فرنسا، وقلت حينها في نفسي: هل قد ننجح نحن في العالم الثالث في كسر طوق الطغيان ونتمكّن من البحث عن خيارنا ليحكمونا من خلال أسس ووسائل حضريّة وعصريّة ومتمدّنة أم أنّنا سوف نجد أنفسنا نعيد نفس السيناريوهات في كل مرّة نثور فيها من أجل تغيير أنفسنا ورسم معالم مستقبلنا؟.
بكل تأكيد وأنا أنظر إلى تلك المظاهرات الشبابيّة مرّت أمام ناظريّ مجريات الأحداث في ليبيا بعد نجاح الشباب في كسر حاجز الخوف، وبعد أن أدّت ثورة الشباب البريئة في عام 2011 إلى القضاء على نظام الطاغية القذّافي فإذا بها وهي مازالت ساخنة تنتزع من بين أيدي الشباب والشابّات لتستولي عليها الجماعات الدينيّة المؤدلجة فتفقدها على التوّ براءتها وتفرغها من محتواها التحرّري لتتّجه بها نحو عالم مظلم آخر برهنت السنون اللاحقة على أنّه أكثر ظلمة وفساداً وتخلّفاً من نظام الطاغية القذّافي نفسه. تمنّيت على إخوتنا في الجزائر التفكير الملئ في مثل هكذا سيناريوهات بهدف إصلاح الخطأ مع الإستمرار في النهج التحرّري حتى تحقيق الهدف المطلوب وذلك ببناء أسس ودعامات الديموقراطيّة الحقيقيّة في هذا البلد الذي برهن في الأيّام القليلة الماضية على أنّه أكثر تحضّراً ممّا توقّعت حينما شاهدت رجال الشرطة ورجال الجيش وهم يحمون تلك المظاهرات بدون التدخّل فيها أو الإساءة إلى المشاركين فيها. أعجبني ذلك الإحترام المتبادل بين الطرفين، وأعجبني بصدق الأسلوب الحضاري الذي إنتهجه المتظاهرون وهو نفس الأسلوب الحضاري الذي قابله بهم رجال الجيش ورجال الشرطة. 
بمثل هكذا مواقف نستطيع بالفعل تغيير أحوالنا وبمثل كذا تعاملات نستطيع العبور نحو الغد بدون الكثير من الخسائر. أتمنّى من كل رجال الجيش والشرطة وأجهزة الأمن ترك الشباب ليعبّروا عن آمالهم وطموحاتهم بكل حريّة وبدون تدخّل أو عنف أو قمع، فالشباب إنّما هم يخرجون من أجل الجزائر، والجزائر هي بلد يذهب الحكّام ويتغيّرون لكنّها تبقى حتى قيام قيام الساعة... فلتكن الجزائر هي عنوانكم جميعاً، وربّنا يوفقكم أهلنا وإخوتنا في بلد المليون شهيد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك