2016/08/21

هل كنّا كفاراً حينها أم أنّه نزل علينا ديناً جديداً الآن؟

 
فلنفكّر بعقولنا وبالمنطق وبالمعقوليّة وبشئ من التدبّر... هكذا كنّا في الخمسينات وفي الستّينات وفي السبعينات إلى أن تسرّبت الوهابيّة إلينا فعتّمت حياتنا وسوّدت أيامنا وحوّلت كل ما أنجزناه في تلك الحقبة من الزمن وطيلة السنوات اللاحقة وحتّى عام 2010 إلى رماد ودخّان وقتل وروائح الدم والكراهيّة والحقد والغش والخداع والنفاق... وفي كل مكان حولنا. هكذا كنّا ننظر إلى الأمام ونتكامل مع محيطنا ونعيش بأبجديات زماننا فحققنا ما قدرنا على تحقيقه وأنجزنا ما إستطاع متعلّمينا ومثقفينا ومهنيينا تحقيقه.
أسّسنا الجامعات العريقة، وشيّدنا الطرق الفسيحة والمباني العالية، ودخلنا مجالات البحث، وأرسلنا شبابنا للتعلّم في بلاد العلم والمعرفة، وتمكّنا من تخريج الملايين من شبابنا وشاباتنا من الجامعات، وأصبحت العقول الوطنية تزاحم وبكل ثقة تلك العقول التي إستوردناها وإعتمدنا عليها في بدايات الإستقلال، وبالفعل بدأت الكثير من البلاد العربيّة مثل العراق ومصر ولبنان وسوريا تعتمد على سواعدها الوطنية في كل عمليات البناء والإعمار وتسيير أفضل الخدمات للناس. أصبحت بغداد ودمشق من أجمل العواصم العربية في آسيا، وأصبحت الدار البيضاء وتونس والقاهرة من أروع العواصم العربية في أفريقيا. 
دخلت مصر عصر النهضة والتمدّن فبرع فيها الكتّاب والشعراء وممثلوا السينما ونجوم المسرح، وكان الحال مثله في سوريا وفي العراق وفي لبنان. تعمّق الفن بكل روائعه في العقول والمشاعر فهذّبها وأبعدها عن الكراهية والحقد فسطعت في سماء بلداننا العربية نجوماً لم نتمكّن الآن من تعويضها أو إستبدال روائع فنّها من أمثال أم كلثوم، ومحمد عبد الوهّاب، وفيروز، عبد الحليم حافظ... والقائمة لا تتنهي. إرتفع عدد الجامعات في مصر من إثنتين إلى 13 جامعة، وفي ليبيا البلد الصغير إرتفع عدد الجامعات من جامعة واحدة إلى 11 جامعة ناهيك عن المعاهد التخصّصية والمهنية.
بذلك التحرّر وبتلك العصرنة التي وصلناها في تلك العقود التي تلت الإستقلال تمكّنا من بناء أنفسنا وتمكّنا من بناء بلداننا إلى أن خرجت علينا هذه الأشباح العابسة المكفهرّة فسوّدت أيّامنا وأتعست حياتنا وفرضت علينا الطغيان الذي لا شبيه له حتى في أعتى الديكتاتوريّات التي شهدتها بلادنا مثل ديكتاتورية معمر القذّافي وديكتاتورية صدّام حسين وديكتاتورية حافظ الأسد. كانوا من الديكتاتوريين نعم، لكنّهم كانوا يبنون بلدانهم وينظرون إلى الأمام. هؤلاء الطغاة الجدد الذين تسلّطوا علينا بإسم الدين أتوا بالجهل والتخلّف والحقد والكراهية والعنف والقتل والتشريد والذبح والشذوذ الجنسي، وأتونا بكل العلل التي كانت بلداننا نقية منها.
كنّا في فترة ما قبل الثمانينات في آمان كامل في بلداننا، وكان الناس يخرجون إلى الشوارع والميادين وحتى الساعات الأولى من كل صباح ولا يخشون على أنفسهم أو على ممتلكاتهم. كان الناس يسافرون وحتى إلى أعماق الصحاري وفي الخلاءات المهجورة ولا يخافون من عصابات تخرج عليهم فجأة كالجِنّة فتسرق ما يمتلكون وتقضي على كل ما يتنعّمون به. 
هل يستطيع أحد أن يقنعني بأن هذا الزمن التعيس الذي نعيش فيه الآن ونشاهده بأعيننا هو أحسن من تلك الفترة التي كانت أوطاننا فيها ملء قلوبنا ونصب أعيننا، والتي كانت القناعة فيها جزء لا يتجزأ من حياتنا، وكان العهد والوفاء من بين صفاتنا؟... كان التراحم والتعاون والتعاضد والتساند هو البلسم الذي كنّا نتجرّعه في كل صباح ومساء ونحن مبتهجون وسعداء. كنّا نعيش كبشر، أمّا اليوم فأسأل أكثر من نصف سكّان ليبيا وكيف يعيشون، أسأل أكثر من ثلثي سوريا وكيف يعيشون، أسأل أكثر من نصف اليمن وكيف يعيشون، أسأل أكثر من ثلاثة أرباع العراق وكيف يعيشون... ولا يحدّثني أحد عن الصومال وعن السودان.
هل يستطيع أحد منكم أن يقنعني بأنّنا أحسن حالاً بهذه الثورات (المعتلّة) التي أفرزت لنا هذه الشياطين التي أخذت تحكمنا وتسيطر علينا وتفرض علينا الطغيان والجبروت من خلفية الجهل والتخلّف التي تربّى عليها هؤلاء الهمج الذين خرجوا علينا من جحورهم التي كانوا يعيشون فيها؟.
حلب قبل أن يحرقها المشعوذون
ألا لعنة الله على بعض ما يحدث في هذا الزمان وعلى كل من يحاول أن يقنعنا بجدواه أو بأبجدياته، وألا لعنة الله على صحواتكم التي تتكلّمون عنها، فهي والله ليست صحوة ولا هي حتى مجّرد ومضة باهتة في عالم مظلم خلقتموه لنا يا طغاة البشر بجلابيب التديّن.
حلب بعد "الصحوة الإسلاميّة"

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

الرجاء وضع تعليقك